شيطانٌ أخرس!.. رأي أشرف يوسف


عندما يكون “عدم الفعل” جر يمة!!

لو طُرِح سؤال على مجموعة من الناس: “ما هي فكرتك عن الشيطان، وما هو ما يعمله الشيطان عادة؟” لكانت الإجابات متباينة، تتقارب أحياناً وتتباعد أحياناً أخرى، إلا أن الأغلبية العظمى منها ستتفق على شيءٍ ما، وهو إثبات العمل “الإيجابي” للشيطان، بمعنى أنه “يفعل” شيئاً ما .. يوسوس … يزرع العداوة بين الناس … يحرض على الشر … يزين السوء … يستدرج الإنسان … وغيرها كثير، ولكن يندُر أن ينسب أحد للشيطان عمل “سلبي” أي أن يقول أن الشيطان “لا يتكلم بالحق” أو أنه “لا يتحرك لتغيير منكر” أو أنه مثلاً “لايضع الشيء في مكانه الذي يستحقه” .. وعلى شاكلة ذلك الكثير من الأمثلة، التي تحتاج للحركة ولكن يقف فيها الشيطان موقفاً سلبياً، قاصداً ألا يتحرك، وكفى به إثماً أنه لا يتحرك في مثل هذه المواقف واللحظات!

فلو أن إنساناً رأى أعمى يوشك على المرور من أمام سيارة مسرعة فتصدمه صريعاً، ولم يتحرك لإيقافه، أو أن إنساناً رأى جماعة شباب يعتدون على فتاة، ولم يتحرك لإنقاذها، أو تخيل شخصاً شهد قيام أحدٌ ما بجريمة أو خطأٍ ما، ثم هو يرى بعدها شخصاً آخر يُتَّهم ويحاسب على هذا الخطأ ظلماً، وكان قادراً بكلمة منه أن ينقذ هذا المظلوم وأن توجه التهمة والمحاسبة للجاني أو الفاعل، ولكنه لم يفعل … كل هؤلاء يراهم كل إنسان صحيح الفطرة، سليم النفسية، مخطئين، مذنبين في حق إنسانيتهم قبل أن يكون ذنبهم في حق الناس أو المجتمع.

الأمر يبدأ بسيطاً!

غير أن الأمر أخطر من هذا، فأول الأمر يتكاسل الإنسان ويتخاذل عن الفعل، ويختار عدم الفعل، ولكنه في هذه الحالة قد يجد في نفسه غصة ومرارة بسبب تأنيب ضميره أنه كان واجب عليه أن يفعل ويتحرك، فإذا سولت له نفسه الاستمرار على هذه الطريقة، فإنه لا بد له أن يجد “قالَباً ما” يبرر له طريقته وموقفه، ويجعله يشعر بالراحة، راحة الضمير والبال، ولو كانت راحة مزيفة، فيبدأ في دخول طور جديد في هذا السلوك، وهو إيجاد مبررات لسلبيته، بل ربما وجد (زوراً وبهتاناً) “دوافع” لهذه السلبية، ثم شيئاً فشيئاً يبدأ “يقتنع” بهذا الطرح الذي مهد له طريق السلبية وجعلها فضيلة، أو ربما فرض! فإذا تشرَّب عقله وقلبه مسوغات سلبيته تغير بالفعل فأصبح شخصاً جديداً ربما يضاد ما كان عليه من قبل!

وللسلبية درجات ..

وهذه السلبية أحيانا تكون عامة وسائدة عند الإنسان، فيكون سلبياً في كل شيء، سواء كان الموضوع يخصه أو يخص غيره، وسواء كان الموضوع بسيطاً أو كان مما يؤدي إلى كوارث وعواقب وخيمة قد لا يمكن إصلاحها، وأحيانا تكون هذه السلبية خاصة بموضوع معين، أو بأشخاص معينين ..

أما النوع الأول (السلبية العامة) فإنه أصعب في العلاج من حيث أنه صار طبعاً في شخصية الإنسان السلبي فيحتاج لتغيير هذا النمط السلوكي أن يغير أفكاره ومشاعره، وأما النوع الثاني (السلبية الخاصة) فإنه أصعب من حيث أن الشخص يكون إيجابياً في أوقات ومواقف أخرى إلا أنه أوجد لنفسه مبررات لسلبيته في مواقف معينة، فيحتاج لعلاج السلبية هنا إلى مواجهة نفسه بالحقائق والقيم المطلقة التي يناقضها بسلبيته في هذه المواقف.

السلبية المقَنَّعَة!

غير أن هناك ما أسميه “سلبية مقَنَّعَة” وهي أن يقوم الإنسان بفعلٍ ما (في الظاهر فقط) ولكنه في الحقيقة لم يفعل ما يؤدي لتغيير حقيقي، بل هو فَعَل ما يُسقِط عنه تهمة السلبية، إما أمام نفسه أو أمام الناس، مدعيا أنه “أدى ما عليه واجتهد”!

أعوذ بالله من … عجز الثقة!

ونجد في تراثنا الإسلامي أن عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) استعاذ من “عجز الثقة” أي تخاذل وسلبية الرجل الصالح، فالإنسان لا يكفيه أن يكون صالحا في نفسه بل لابد له أن يكون مُصلحا لغيره، فما خلقنا الله إلا لنعبده، ومن أبعاد العبادة بل من صلبها أن يُصلح المؤمن الكون والمجتمع من حوله وأن يقف في وجه الفساد والمفسدين، ولذلك “استعاذ” عمر من سلبية وتخاذل الرجل الصالح، كما يستعيذ الواحد منا من الشيطان!

سبب هلا ك الأمم!

وأخيرا فإن السلبية هي أحد أسباب هلا ك الأمم، ويضرب لنا النبي الخاتم محمدٌ (صلى الله عليه وسلم) مثالاً لهذا، فكأن الناس في المجتمع كجماعة أبحروا بسفينة داخل البحر، فكان قوم في أعلى السفينة وآخرون في أسفلها، وفكر الذين في الأسفل أن يخرقوا السفينة ليأخذوا ما يحتاجون من ماء البحر، فلو أن الذين في أعلى السفينة تركوهم وتخاذلوا وكانوا سلبيين فلم يقفوا لهم ويمنعوهم، لغرقت السفينة بهم جميعا، ولو أنهم منعوهم لنجوا جميعا!

في المرة القادمة التي تدعوك نفسك أن تكون سلبياً، تذكر أنك بذلك تشارك في غرق سفينة المجتمع!

الإيجابية الحكيمة!

ولكن! هذا نداء أن نقذف بالسلبية بعيداً وأن نتخذ موقفاً، ولكن احذر أن تأخذك الحماسة فتحاول تغيير شيء وهو خارج سلطتك، فتفسد من حيث تريد الإصلاح!

أقول لك … خذ مكانك في سفينة المجتمع، ولكن في الوقت نفسه تحرك بحكمة … ولكن الخيار الغير مطروح هو أن تكون كالشيطان الأخرس!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق