“بين فهم النفس وصناعتها” .. رأي ياسمين يوسف

سؤال يأتيني كثيرًا. كيف أعرف نفسي؟ فهم السؤال هو أهم من السؤال نفسه ويساعد على إجابته. ينطوى معنى “كيف أعرف نفسي؟” على شعورك بأن الشخص يتحدّث عن شخص آخر له شخصية ما وهو يود أن يعرفها. وهنا تكمن المغالطة. أنت تتحدث عن نفسك أنت. هي ليست شيء مستقل عنك وخارجي أقصى ما يمكن أن تفعله هو أن تعرفها وتتصرف بناءً على تلك المعرفة وتتقيّد بما تجد النفس عليها. أنت تتحدث عن نفسك أنت التي قال الله ﷻ عنها “قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”. نعم، أنت من تربي هذه النفس بعد أن سواها الله ﷻ ووضع فيها كل مقومات التقوى والفجور على طرفي نقيض. ولكن كيف هذا ونحن نؤمن بإختبارات الشخصية ونرى صعوبة التغيير كل يوم؟ فكيف نتعامل مع هذه النفس، التي سنُطلق عليها اليوم مصطلح “الشخصية” لجعل الأمر أكثر قربًا إلى العقل؟ وهل أنت تُولد بشخصية معينة ويصعب عليك تغييرها كما يعتقد البعض؟ وهل هي شخصية نُولد بها أم هي شخصية يمكن صناعتها؟

اختبارات الشخصية

بدأ الأمر عندما تطرقت لموضوع اختبارات الشخصية في مقالي السابق. وأشرت إلى أنها صورة التقطها لك أحدهم في لحظة معينة. وهي تقيس كل ما أنت عليه الآن، وليس بالضرورة ما ستكون عليه في المستقبل. تمامًا كالتحاليل الطبية. فهي تخبرك بنسبة المواد في جسمك حاليًا ولكنها لا تعني أن تلك النسب ستظل هكذا طوال العمر. وكلما أعدت اختبار الشخصية بعد عدد من السنوات، تجد أن النتائج قد تتغير. أثار هذا العديد من التعليقات والأسئلة الثرية. منها “كيف أعرف نفسي إذا كانت اختبارات الشخصية لا تخبرني ماهية نفسي”؟ أو “أجريت اختبار شخصية عدة مرات وهناك ملامح ثابتة لا تتغير وتتغير فقط بعض الملامح الثانوية، فهل يعني هذا أني لا أتغير”؟ ولكي نتناول هذه الأسئلة، علينا القيام برحلة فكرية اسمحوا لي أن آخذكم فيها من خلال هذا المقال. وأنا أعدكم أنها تستحق عناء قراءة مقال طويل كهذا.   

الأساس العلمي

أقترح مبدئيًا أن نفهم ماهية الإنسان. مم يتكوّن؟ أزعم أنه لا أحد لديه إجابة هذا السؤال. ولكن هناك نظريات ودراسات وأبحاث لتفسير النفس الإنسانية. لم ولن ينتهي الأمر وسيظهر الجديد دومًا في تفسير تلك الأحجية الغامضة. ولكن نعرض اليوم إحدى محاولات الفهم تلك. في كتاب “الذكاء العاطفي” أو Emotional Intelligence 2.0 للمؤلفين “ترافيز برادبيري” و”جين جريفز”، محاولة لوصف الإنسان أنه حصيلة الذكاء المعرفي IQ، والذكاء العاطفي أو الوجداني EQ وكيان ثالث أكثر غموضًا وهو الشخصية أو personality. ويفسّرون الشخصية على أنها ترتبط بتفضيلاتك أنت كأن تكون انطوائيًا أو منفتحًا. كما يشيرون إلى أن الذكاء العاطفي هو أكثر تلك المكونات الإنسانية مرونةً وأكثرها قابلية للتغيّر. اكتساب مهارات الذكاء العاطفي وتطويرها ممكن إذًا بينما تغيير الشخصية أصعب في ضوء هذا التحليل.

ولكن ماذا عن أثر تطوير مهارات الذكاء العاطفي على الشخصية؟ مثلاً، إذا استطاع الشخص اكتساب وتطوير مهارات بناء العلاقات، والتواصل، والتأثير، والعمل الجماعي والقيادة كأمثلة لمهارات الذكاء العاطفي، كيف يؤثر ذلك على شخصيته إذا كان اختبار الشخصية يصنّف الشخص “كشخصية انطوائية”؟ هذا ما يجعلني أفكّر أننا نسجن أنفسنا في قوالب ومسميات حول الشخصية، تعيق تقدمنا وتثبط من همّتنا للقيام بتغيير تلك الشخصية.

ولكن كيف تتكوّن هذه الشخصية؟ هذا أمر يكثر فيه الجدل في صفوف الباحثين. ولكن المنطقي أن كل شيء يمر به الإنسان في طفولته وطريقة استجابته لها يؤثر في تلك الشخصية. مثلاً مكان الطفل في الأسرة (الطفل الأكبر، الأوسط، الأصغر)، وكيف تعامل الأب والأم معه، وهل كانت هناك أفراد أخرى داعمة في الأسرة كالجد الحنون أو الأخ الأكبر القدوة؟ أم هل تعرض الطفل لإساءة معاملة وعنف؟ أيضًا الوضع المادي للأسرة والضغوط التي واجهها الأب والأم وكيف استجابوا لها؟ ماذا عن الصحة النفسية للأب والأم وتأثيرها على الأطفال؟ وهل كانت بين الأم والأب خلافات؟ ماذا عن المدرسة والمعلمين والأقارب والبيئة المحيطة؟ ماذا عن المستوى الثقافي للمحيطن بالطفل وما يتعرض له من قناعات بسبب ذلك وتؤثر بالتأكيد تلك القناعات في طريقة استجابته لكل هذا؟ كل تلك والمزيد منها، عوامل تؤثر في تشكيل شخصية الطفل بلا شك. ولكن هل يعني هذا أنه لا يستطيع تغييرها؟

فلنقل “التعلّم” بدلاّ من “التغيير”

إن كل موقف يمر بك هو موقف تعلّم. فأنت في كل موقف إما أن يتم دعم شيء تعلمته سابقًا. أو يتم التشكيك في شيء أو إلغاء تعلّم شيء قد تعلمته سابقًا. أو أنت تتعلم شيئًا جديدًا. وعندما تحاول أنت جاهدًا أن تمارس عادة إيجابية، فأنت تسعى لأن تتعلمها بشكل يدعم استمرارك فيها بسهولة. فمثلاً عندما تتعلم ركوب الدراجة، أو قيادة السيارة، أو عزف آلة موسيقية، أنت تتعلم في البداية ثم تمارس وتستمر في الممارسة كي ينطبع التعلم في مخك وتستطيع أن تؤدي المهمة بشكل تلقائي وتصل لمرحلة قيادة السيارة وأنت تفكر في أمور أخرى دون عناء كبير. عندما نستخدم مصطلح “التعلّم”، يصبح الأمر مهمة شيقة وليس عبءً ثقيلاً على الفرد.  فكيف نتعلّم؟

كيف يدعم المخ عملية التعلم؟

تقول الدكتورة “لارا بويد” باحثة المخ في جامعة “بريتيش كولومبيا” الكندية، أن مخ الإنسان مرن عصبيًا جدًا وهو يعمل بثلاث آليات لدعم التعلم.

الدعم الكيميائي chemical ، وهو قدرة المخ على إفراز كميات أكبر وتركيزات أقوى من المواد الكيميائة التي تحفّز انتقال الإشارات العصبية بين خلايا المخ. وهذا يحدث عندما تبدأ في تعلّم شيء جديد فتجد نفسك مستوعبًا للأمر تمامًا في الفصل الدراسي مثلاً، ثم في اليوم الثاني تتفاجىء بأنك لا تذكر إلا القليل. وذلك لأن دعم المخ للتعلّم في تلك الحالة كان دعمًا كيميائيًا فقط ويؤثر فقط في الذاكرة قصيرة المدى. تمامًا كقرائتك لتلك المقالة. أنت قد وعيت كل ما قرأت بالفعل أثناء قرائته. ولكن بعد الانتهاء منها، إذا أعدت القراءة مرة أخرى، ستجد أنك تقرأ بعض المعلومات وكأنك تراها لأول مرة.

الدعم الهيكلي structural، وهو أن بممارسة التعلّم أو المهارة على مدى أطول، يقوم المخ بتغيير هيكلته ليستوعب المهارة الجديدة أو المعرفة الجديدة ويبقيها فيه بشكل طويل المدى. فتشريحيًا، من يقرأ بطريقة “بريل” من فاقدي أو ضعاف البصر، تكون مراكز المخ المسؤولة عن الاحساس في أنامل اليد اليمنى لديهم، أكبر حجمًا من مثيلتها لدى الشخص الذي لا يقرأ بطريقة “بريل”. وسائقو التاكسي في “لندن” لديهم مراكز إدراك المساحات في المخ، أكبر من نظرائهم من السائقين في المدن الأخرى لأنهم عليهم أن يحفظوا خريطة لمدينة “لندن” كأحد متطلبات الحصول على ترخيص لقيادة سيارة أجرة هناك. وهذا التغيير قد حدث في هيكلة المخ بالممارسة والجهد المستمر في التعلّم فأصبح طويل المدى.

الدعم الوظيفي functional، وفي هذه المرحلة وبالممارسة للمعرفة والمهارة، يجعل المخ مراكز معينة فيه أكثر وأسهل وأسرع استثارة مما يضمن جهوزية الشخص للتصرف بتلقائية تجاه المؤثرات التي تتعلق بالمعرفة أو المهارة التي تعلّمها ومارسها.

سلاح ذو حدين

نعم، التعلّم يعمل بشكل بناء أو هدم. فالمخ بتلك المرونة العصبية يمكن أن يتعلّم أن يحافظ على عادة أو معرفة ما كلما مارستها وصقلتها. ويمكن أن “ينسى” معرفة أو عادة ما، كلما أهملتها. فإهمال الشئ هو ممارسة لمهارة نسيانه.

كما أن التعلّم قد يكون لعادة أو معرفة إيجابية، أو لعادة أو معرفة سلبية. فمن يدخّن، يقوم بدعم تلك العادة في كل مرة يقوم فيها بالتدخين وتُحفر في المخ وتصبح أكثر تلقائية وأصعب في نسيانها.  

احترس عندما تصف نفسك

عندما تصف نفسك بصفةٍ ما إذًا، عليك أن تنتبه لأنك قد تصف نفسك بما ليس فيك. فإذا كذبت مرة، لا يجعلك هذا كذابًا. وإنما ممارسة تلك العادة السيئة، تكتبك من الكاذبين وتحفرها في مخك حتى يكون الكذب لديك في منتهى السهولة والتلقائية. وكذلك إذا فعلت شيئًا إيجابيًا مرة، لن يجعلك هذا تكتسب صفته إلا إذا مارسته وحرصت على تحرّيه. وكما قال الحبيب ﷺ “وإنما الحلم بالتحلّم”. فتعلّم مهارة أو سلوك، يكون بممارستها والاجتهاد في ذلك وتكراره.

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فهكذا تبني شخصيتك وصفاتك الدائمة. فعلى كل منا أن ينتبه ويعي تمامًا ما الذي يحدث بداخل مخّه كل مرة “يكرر” فيها سلوكًا. مخك يتعلّمه ويجعله أكثر تلقائية لديك من غيره.  

القليل والكثير؟

لماذا نعتقد أننا لا نستطيع التغيير أو التعلّم لمهارات جديدة؟ لأننا لا نحاول. الأمر يحتاج لجهد ومثابرة وعزيمة كما أشرت. وربما اتضح لك الآن، أننا لا نقوم بالجهد الكافي الذي يجعل مخ كل منا، يحفر العادة الجديدة ويدعم تعلّمها ويضمن تلقائيتها في المستقبل. نعم، الله ﷻ يخبرنا دومًا عن القليل الذين ينهضون ويختارون بناء شخصية رائعة تتسق مع مقتضيات الإيمان ويتمسكون بها فتقوى مع كل موقف يتمسكون بها فيه. نعم أكثرنا لا يعبأ بالتغيير ولا يحاول ولا يمتلك النفس الطويل ولا الهمّة ولا الإرادة للممارسة المثابِرة للعادات والمهارات التي يريد أن يبنيها. لذلك لا ترى حولك أمثلة كافية تدعم إمكانية التغيير، فيتحول الأمر أمامك إلى أزمة مستحيلة وشخصية ثابتة لا تستطيع تغييرها.

أو ربما لا تجد التغيير لديك لأنك لديك قناعات محددة عن نفسك تقترن بقناعاتك عن عدم إمكانية تغيير الشخصية. أو ربما أجريت اختبار شخصية وأخبرتك النتائج أن لديك مهارات معينة (تلك المهارات التي عملت أنت على صقلها من خلال كل مواقف حياتك وليس لأنك وُلدت بها)، فربما أوليت تلك المهارات اهتمامًا أعلى بعد إدراكك لها ومارستها بشكل أكبر فدعمتها أكثر. وهذا جيد إذا كانت تلك المهارات إيجابية. ولكن إذا كانت سلبية، فهو أمر خطير جدًا أن تعتقد أن تلك هي شخصيتك وتبدأ في التعامل مع تلك الشخصية التي “عرفتها” وتنصاع لها، بل وتطلب من الآخرين تقبلها!! وتود أن “يحبوك كما أنت“! الخيار أمامك أن تكون من القليل أو من الكثير.

الطيار الآلي

تقول الباحثة “آن هيرمان” أن معظم الناس قادرة على  التصرف السليم فقط لو قامت بالتفكير. لكن للأسف معظمنا يسير بخاصية الطيار الآلي، يسير حسب ما اعتاد عليه أو حسب الأهواء أو حسب رأي من حوله أو مندفعًا وراء مشاعره في سلسلة من الفعل وردّات الفعل. وسرعان ما تصبح طرق الاستجابة تلك، عادات وردود فعل تلقائية ثم تصبح جزءًا من “شخصية” الفرد وهي أصلاً لم تكن من اختياره!

التغيير ممكن… التعلّم ممكن

نعم بلا أدنى شك عندي. وأنا وأنت مررنا بمواقف في حياة كل منا تثبت ذلك. وأنت وأنا رأينا نماذج عالمية أو في حياتنا لمن استطاعوا أن يغيّروا أنفسهم بشكل جذري. النماذج موجودة وإن كانت قليلة. والله ﷻ لا يمكن أن يحاسبك على شخصية ثابتة هو خلقك بها ولا تستطيع تغييرها. الأمر بالتأكيد يرجع لك. ولكن في سبيل ذلك، يجب أن تسعى لفهم كل التراكمات التي أحدثتها ممارساتك السابقة وعدم فهمك لطرق التعامل مع المعطيات حولك والمشاعر بداخلك وفي مخك والاستجابة العصبية بداخله. عليك أن تدرك حجم الضرر الكامن فيك بالفعل وتدرك أن طريق التعلّم والتغيير لن يكون سهلاً ولا يسيرًا. بل هو مجاهدة مستمرة ومقاومة لكل ما عوّدت أنت نفسك عليه.

أفضل وسيلة للتغيير هي…

” إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ”. نعم، أبدأ أنت أولاً. قم برسم الشخصية التي تود أن تبنيها وتصنعها. أبحث جيدًا عن السلوكيات التي عليك المداومة عليها تدريجيًا وببطء لتبني وتصنع كل صفة من صفات تلك الشخصية. وقد خلق الله ﷻ عقلك لكي يدعم ذلك التعلّم والتغيير لتجده بإذن الله في حياتك بعد ذلك. بعد أن تبدأ أنت الخطوات الأولى. “كيف تعرف نفسك”؟ لا تعرفها. استعن بالله ﷻ واصنعها.

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق