الضابط السوري الذي حكم فرنسا.. كان قائداً بالجيش الألماني قبل أن يعود لسوريا وينفذ عملية نوعية جعلته مقرباً من الرئيس حسني الزعيم.. وأديب الشيشكلي سرّحه! 

دمشق (سوريا) تقرير مكتبي -خاص مدى بوست

لم يعد كثير من العرب والسوريين يهتمون بأخبار الشخصيات السورية الراحلة، إذ أن المأساة السورية شغلت الكثيرين عن الماضي وقصصه الغريبة حيناً والجميلة أو المعبرة والمفيدة حيناً آخر.

وتسيطر في الآونة الأخيرة أخبار التصعيد الروسي الأسدي على ريف حماة الشمالي ومحافظة إدلب على الأخبار المتعلقة بسوريا، فضلاً عن أوضاع اللاجئين السوريين في دول اللجوء من تركيا إلى لبنان والأردن وحتى ألمانيا وبقية الدول الأوروبية.

لكن في موقع “مدى بوست”، اخترنا اليوم أن نسلّط الضوء على شخصيةٍ سورية استثنائية، بغض النظر عن كيف سيكون موقفك منها، إلا أنها شخصية تمكنت من كتابة سيرة ذاتية زاخرة تستحق الذكر والحديث عنها من جديد.

أكرم طبارة.. السوري المثير للجدل 

تعتبر شخصية الضابط السوري أكرم طبارة من أكثر الشخصيات السورية المثيرة للجدل، وذلك كونه عمل ضابطاً في الجيش العثماني، وشارك في الحرب العالمية الثانية في صفوف القوات الألمانية.

قصة مشاركته بالحرب العالمية الثانية وحكمه لفرنسا 

بعد انهيار الدولة العثمانية التي كان أكرم طبارة أحد ضبّاطها العسكريين، جاءت الحرب العالمية الثانية بين دول المحور ودول الحلفاء، ليجد طبارة نفسه مائلاً لصف الألمان.

وفي تلك الأثناء أسس المفتي الحاج أمين الحسيني فرقةً عسكرية من الشباب العرب لمساندة الجيش الألماني في الأعمال العسكرية في فرنسا التي دخلتها القوات الألمانية آنذاك.

وخلال تقدم القوات الألمانية من أجل الدخول إلى فرنسا، تمت ترقية أكرم طبارة لرتبة ملازم شرف بالجيش النـ.ـازي، ليكون بذلك قائداً لسرية من المتطوعين كان لها الفضل الأكبر في احتلال العاصمة الفرنسية باريس والسيطرة عليها.

وفي البداية خضعت فرنسا للحكم العسكري الألماني، وكان الضابط الأعلى رتبة بالجيش الألماني هو الذي يحكم، فأوكل أحد كبار الضباط قيادة القوات الألمانية الموجودة في فرنسا لمدة يوم كامل.

وبذلك تمكن طبارة المثير للجدل من حكم فرنسا لمدة 24 ساعة، ريثما سافر كبار الضباط الألماني لمدينة فيشي وعقدوا هناك مع الجنرال الفرنسي “بيتان” شروط معاهدة تخضع من خلالها فرنسا لسيطرة ألمانيا.

وعندما نجحت دول الحلفاء في الدخول إلى ألمانيا، والسيطرة على برلين وإعلان الجيش الألماني عن استسلامه بدون قيود أو شروط، تم القبض على أكرم طبارة مع مجموعة من المتطوعين العرب، قبل أن يتم الإفراج عنهم عام 1947.

قصّة صعود طبارة في سوريا 

وفي نفس العام الذي تم الإفراج فيه عن طبارة، عاد الرجل إلى سوريا، وهناك تدخل الحاج أمين الحسيني والقائد فوزي القاوقجي لإدخاله في الجيش السوري برتبة ملازم أول.

كان ذلك الكلام في عهد الرئيس المشير حسني الزعيم، الذي قام بتقريب طبارة منه بعد أن لمع نجم الضابط ليصبح بذلك من المقربين من المشير.

كان رجلاً للمهام الصعبة 

في عام 1949، وتحديداً في 19 من شهر مايو / أيار أوكل المشير حسني الزعيم رئيس الجمهورية السورية الأولى مهمة سرية للملازم طبارة، تمثلت في “الجاـســوس الإسرائيلي كمال حسين، يقيم في لبنان ونريد إحضاره إلى سوريا”.

لم تكن مهمة مثل تلك بالصعبة على رجل بمواصفات أكرم طبارة، الذي استقبلها بكل سرور، إذا أن الشخصيات المشابهة لشخصيته تعشق التحدي، وتتعامل مع مثل هذه المهام الحساسة على أنها نوع من أنواع المغامرة.

وبالفعل، دخل أكرم طبارة بسيارته الجيب وبرفقته دورية عسكرية مكونة من ثلاثة عساكر إلى حقل في حصابيا اللبنانية، وهناك تمكنوا من العثور على كمال حسين – وهو فلسطيني الأصل-، لكنهم فشلوا بالقبض عليه، مما اضطرهم لتصفـ.يته في وضح النهار، حسبما ذكر موقع “التاريخ السوري المعاصر“.

الدرك اللبناني علم بالأمر، وقام حينها بملاحقة طبارة ورفاقه، وتمكن من إلقاء القبض عليهم في قرية “ينطا” اللبنانية، بمساعدة من عائلة “آل العريان” هناك.

طبارة وأزمة سورية لبنانية 

ما إن وصل الخبر إلى العاصمة السورية دمشق، حتى أجرى الرئيس حسني الزعيم اتصالاً مع رئيس الوزراء اللبناني آنذاك “رياض الصلح”، طالباً منه إعادة الضابط طبارة وجنوده المرافقين له على الفور.

وبرر الزعيم طلبه بأن ما قام به طبارة هو واجب وطني باعتبار أن كامل حسين كان يقوم بمهام تجسـسية على جيش سوريا لمصلحة إسرائيل. 

لم يرفض رئيس الوزراء اللبناني طلب الزعيم على الفور، بل أمر بتكشيل لجنة قانونية تدرس الأمر وتقرر مصير الضابط السوري ورفاقه، فانعقدت لجنة قانونية ونظرت في القضية وقررت رفض طلب حسني الزعيم، على أن يطبق عليهم القانون اللبناني وتجري محاكمتهم أمام المحاكم اللبنانية.

لم يرق ذلك لحسني الزعيم، الذي ردّ بشكلٍ مباشر بإصدار قرار بإغلاق الحدود السورية اللبنانية ومنع الماشية والغذائيات السورية من دخول الأراضي اللبنانية، لترد الحكومة اللبنانية بالمثل على تلك القرارات.

لكن وباعتبار أن لبنان دولة ليس لها حدود إلا مع سوريا، كان الأثر عليها كبيراً، إذ لم تجد بداً عن البحث لحل الخلاف مع دمشق، مما يسمح بعودة الأمور إلى سابق عهدها.

في 25 مايو/ أيار من نفس العام، اجتمع وفد من الحكومة اللبنانية يضم في صفوف أنيس الصلح وحميد فرنجية وفيليب تقلا، مع وفد سوري يضم أسعد كوراني وعبدالحميد اسطواني وعادل ارسلان. 

أجرى الوفد مفاوضات مطولة خلصت إلى أن يتم القبول بتحكيم سعودي- مصري لحل هذا الخلاف بين البلدين، وبالفعل جرى التحكيم وخلصت نتائجه إلى أحقية لبنان بإيقاف طبارة وجنوده مقابل قبول طلب إخلاء سبيلهم من قبل قاضي التحقيق العسكري في لبنان.

وتقدم طبارة وجنوده بطلب لإخلاء سبيلهم، فوافقت المحكمة عليه وقام الدرك اللبناني بإيصالهم للحدود السورية – اللبنانية ليعودوا إلى سوريا بعد أن كانوا سيتسببوا بأزمة مقاطعة بين البلدين.

أكرم طبارة يصل النهاية.. وتنقطع أخباره!

بعد أن عاد إلى سوريا بخيرٍ وسلامة، واستقباله مثل الأبطال، قام الرئيس حسني الزعيم بترقيته إلى رتبة “رئيس”، وجعله من الرجال المقربين منه للغاية.

وعندما قام سامي الحناوي بتنفيذ انقلاب، تبعه تنفيذ أديب الشيشكلي لانقلاب آخر، قام الشيشكلي بتسريح طبّارة من الجيش وتعيينه في مديرية الجمارك بفرع المكافحة بمحافظة اللاذقية.

لكنّ طبارة الذي لم يعرف عملاً مدنياً أو إدارياً في حياته لم يتقبل القرار الذي سيبعده عن العمل العسكري، فأبدى استياءه من الحكم الذي أصدره الشيشكلي بحقّه.

القبض عليه وهر وبـه من السجن !

وبعد وصول أنباء للسلطات السورية أنذاك، صدر أمر بنقل طبّارة من اللاذقية إلى العاصمة دمشق، فرفض أن ينفذ تلك الأوامر وراح يهاجـ.ـم الرئيس الشيشكلي بشكلٍ علني ومباشر ويشهر بالجيش آنذاك، ليتم القبض عليه وإيداعه في سجن المزة العسكري الشهير حتى يومنا هذا.

بعد فترة من إيداعه بالسجن، تم نقل طبّارة إلى المستشفى العسكري بسبب وضعه الصحي، ليتمكن هناك من إعداد خطة للهرب وتنفيذها والنجاح بها، إذ استغل غياب الحراس عن المستشفى، وخرج من المستشفى في الصباح الباكر وقصد منزل أحد أقاربه في منطقة المزة قرب المستشفى العسكري، واختفى فيه لمدة.

وبعد مضي أسبوع من بحث السلطات على طبارة، قامت خلالها بإغلاق كافة المنافذ والمخارج لمنطقة المزة ووضع حواجز عليها، مما ضيّق عليه واضطره لتسليم نفسه للسلطات العسكرية التي أعادته للمزة مع تشديد الحراسة عليه.

بعد أن قدّم أديب الشيشكلي استقالته، تم الإفراج عن أكرم طبّارة، وخرج ليمارس ما تبقى في حياته بعيداً عن الحياة العسكرية لتنقطع عنه الأخبار بعد ذلك ويسدل الستار على قصّة واحد من أكثر السوريين إثارة للجدل في عصره.

صحف تتحدث عن فراره!

لا تتوفر الكثير من المعلومات عن طبّارة على الإنترنت، لكن يقال أنه من محافظة حلب، وقد نشرت صحيفة سورية تسمى “صوت العرب” خبر فراره آنذاك.

وقد جاء في نص الخبر: أكرم طبارة فراره من السجن العسكري، علمت “صوت العرب” أن الرئيس أكرم طبارة قد تمكن من الفرار في الساعة التاسعة والنصف من صباح أمس من المستشفى العسكري في المزة.

 وعلى الأثر حضرت قوات كبيرة من الشرطة العسكرية وفتشت المنطقة تفتيشاً دقيقاً.

هذا وما تزال قوات الأمن تلاحق الرئيس الفار، والمعروف أن الرئيس أكرم طبارة قد اعتقل باللاذقية منذ أسبوعين لفتوهه بأشياء تضر بالصالح العام كما صرّح الزعيم الركن شوكت شقير رئيس الأركان العامة ويجري التحقيق الآن حول كيفية تمكن الضابط المعتقل من الفرار”.

جريدة صوت العرب تنشر خبر فرار طبارة من السجن

المحرر العربي تتحدث عنه!

صحيفة “المحرر العربي” التي كانت من الصحف التي توزع في سوريا بالتسعينيات، تحدث عبر حسابها في موقع فيسبوك بمنشور عام 2013 عن طبارة.

وضمّنت الصحيفة التي أسسها الصحافي السوري نهاد الغادري الذي قال أنّه التقى بطبّارة في المملكة، بعض المعلومات عن طبّارة.

ومما جاء في المنشور، أن طبّار بعد أن عاد إلى سوريا تم تعيينه رئيساً للشعبة الثانية في الجيش، ومن هنا على ما يبدو جاءه لقب الرئيس.

وكان طبّارة يقوم بتدريس منسوبي الشعبة الرئيسيين اللغة العبرية، حيث أحضر أستاذاً فلسطينياً يدعى ربحي كمال يتقن العبرية من أجل ذلك الغرض، إذ أمر أن يكون هناك ساعة يومياً تدرس بها العبرية، فضلاً عن إلقاء نشرة لملخص ما ورد بالصحف الإسرائيلية يومياً عبر الإذاعة.

يوم حكم باريس ضابط سوري ..؟ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتعود القصة لزمن الحرب العالمية…

Geplaatst door ‎المحرر العربي‎ op Zondag 10 november 2013

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق