السيدة ناشدته باسمهم باكية.. مستشار أردوغان يكشف عن مناشدة أهالي حي في إسطنبول لمنع ترحيل جارهم السوري 

إسطنبول (تركيا) – مدى بوست – مقالات

كشف مستشار الرئيس التركي في حزب العدالة والتنمية الحاكم الدكتور ياسين أقطاي، عن حالة مناشدة فريدة من نوعها، كانت صاحبتها سيدة تركية وهدفها الحفاظ على جارها السوري الذي يقيم في حيّهم بإسطنبول.

جاء ذلك في مقال نشره الدكتور أقطاي، السبت 3 آب / أغسطس 2019 في صحيفة “يني شفق” التركية، تحت عنوان “من يقدرون على البكاء من أجل غيرهم” حيث سرد فيه ما دار بينه وبين السيدة.

يتطرق أقطاي في بداية مقاله إلى التأثير السلبي الذي تلقاه بسبب البرنامج الحواري الذي يقدمه الإعلامي التركي محمد عاكف أرصوي على قناة خبر تورك، موضحاً أنه كاد يفقد تفاؤله “بوجود الرحمة الإنسانية” بسبب العبارات التي بات يقرأها ويراها على شاشات التلفاز مواقع التواصل الاجتماعي.

يقول أقطاي أنه ظلّ تحت التأثير السلبي لطريقة التعاطي الإعلامي مع تواجد السوريين في تركيا إلى أن تلقى مكالمة هاتفية يوم أمس وهو يسير في الطريق من رقم لا يعرفه، وعندما أجاب سمع صوتاً حزيناً للغاية، مضيفاً :” إنها حالة أعرفها جيدا. أتلقى الكثير مثل هذه المكالمات يومياً بحكم عملي بالسياسة؛ إذ إن العديد من قليلي الحيلة أو الذين يشعرون بقلة الحيلة يرون السياسي وسيلة لقلة حيلتهم تلك، فأكثر المتصلين هم من الباحثين عن عمل لأحد أبنائهم أو أقاربهم العاطلين أو من الراغبين في تبديد ظلم وقع عليه أو ممن يطلبون تغيير أماكن توظيفهم كيلا يتفرق أفراد العائلة أو من الراغبين فقط في سرد ما بداخلهم من آلام. ولا يمكن لأي إنسان أن يلبي كل هذه الطلبات، غير أن حتى الاستماع فقط لآلام الناس يكون – أحيانا – بابا كافيا للخير”.

ويضيف مستشار أردوغان في حزب العدالة والتنمية، أنهه تفهّم أن صوت السيدة التي تحادثه على الهاتف كان مغموماً كثيراً، إذ بدأت تسرد عليه قلّة الحيلة التي تشعر بها دون أن تعرّف عن نفسها أو تقص مشكلتها، ليعتقد للوهلة الأولى أن تلك المكالمة مثل سائر المكالمات التي يتلقاها يومياً، لذلك استمع لبرهةٍ بشكلٍ روتيني قبل أن يطلب من السيدة أن تعرّفه بنفسها وبمشكلتها.

يقول أقطاي، أن مشكلة السيدة تتمثل في وجود جار سوري يجاورها منذ سنوات وقد اعتاد عليه أهالي الحي منذ أن سكن بينهم، ليصبح جزءاً من حياتهم وكأنه أحد أفراد أسرة كل ساكن بالحي.

وينقل الدكتور أقطاي عن السيدة قولها:” على سبيل المثال عندما أمرض يهتم بي ويساعدني بالقدر الذي لا أراه من عائلتي”، مشيرةً إلى أنه “حارب هو وأقاربه ضد ظلم نظام الأسد والتنظيمات الإرهابـ.ـية المـ.ـتطرفة في سوريا، فقـ.ـتل شقيقه وأصيب هو في قدمه، والآن يعيش حياته الطبيعية بعدما ركب قطعة من البلاتين. أتى  لتركيا حيث سُمح له بالإقامة في إحدى مدنها، لكنه عجز عن توفير احتياجاته بتلك المدينة، ما دفعه للقدوم إلى إسطنبول، ومنذ قدومه وهو يعيش في ذات المكان، كان في سوريا رجل أعمال لديه القدر الكافي من التجارة. لكنه الآن يعمل بأي عمل يجده بإسطنبول، أعمال نقاشة أو مقاولات أو ما إلى ذلك. لكنه عندما يجلس بمنزله وهو جائع لا يخبر أحدا بأنه جائع ويحتاج مساعدة”.

تضيف السيدة أن جميع سكان الحي يحبون ذلك الرجل السوري، ويعتبرونه واحداً منهم، لكنه اضطر مؤخراً للاختباء بمنزله بعد أن بدأت الإجراءات المعروفة قبل مدة قصيرة، ولم يعد يخرج منه أبداً، وذلك لألأنه لو عاد للمدينة المسجل فيها فسيكون قد فقد الحياة التي أسسها لنفسه هنا (تقصد في حي إسطنبول الذي يقطنه)، كما أنه يستطيع توفير احتياجاته بالعمل هنا، فما الذي سيفعله هناك إذاً؟.

السيدة التركية: لقد جمعنا التوقيعات لبقائه 

وأشارت السيدة التركية في حديثها للدكتور أقطاي أن أهالي الحي قد جمعوا التوقيعات لأنهم لا يرغبون بأن يتركهم جارهم السوري، فنقول للمسؤولين “لا تأخذوا جارنا منا”.

يقول أقطاي في مقاله أن صوت السيدة المتصلة بدأ يتحول كأنها ستبكي بنهاية كلامها، قبل أن تنهي الحديث وتبكي بشدة، موضحاً أنه كذلك لم يستطع السيطرة على دموعه، مع شعوره بعجز عن الكلام، ليصمت بعض الوقت.

ويضيف أقطاي :”كان ما شعرت به كالمعجزة. فأنا أعلم أن الأصوات العنصـ.ـرية التي ليس بها شفقة ولا رحمة التي بدأنا نسمعها مؤخرا لا يمكن أن تكون أصوات أبناء هذا الشعب الأصيل الذي نصر أناسا ظلموا وهجروا على مدار السنوات الثمان الماضية وفتح أبوابه على مصراعيها لاستقبالهم”.

لقد كانت هذه هي المعجزة التي ظهرت فجأة في وقت كاد الأمل فيه أن يختفي. فهذه هي المرة الأولى التي أتلقى فيها مكالمة كهذه من بين المكالمات التي تأتيني ويحكي أصحابها آلامهم وطلباتهم الشخصية. فذلك الصوت لم يكن يطلب شيئا لنفسه، بل لشخص آخر.. لم يكن يبكي على حاله، بل على حال شخص آخر.

فبالرغم من أنني لا أسد أذناي عن الاستماع لمن يبكي على حاله، لكن مستوى التأثير والمستوى الإنساني الذي يمثله من يبكي على حال إنسان آخر يثبت لنا عظمة أشرف مخلوقات الله على هذه الأرض.

ومن ناحية أخرى ترى شخصيات سياسية وعملية مرموقة تتحدث بحق جمهور من الناس يقدر بنحو 4 ملايين شخص وكأنهم أشياء لا روح فيها ودون أن يأخذوا بعين الاعتبار أبدا حياتهم الفردية ومشاعرهم وأحاسيسهم.

لقد صار يحيط بنا مناخ ظلامي أصبحت فيه عبارات من قبيل “فلنطردهم من أرضنا ليفعلوا ما يحلوا لهم خارجها!” تسير في طريقها لتتحول إلى عبارات عادية، وكلما أصبحت كذلك فقدنا شيئا من إنسانيتنا، بل إن معظمنا أضحى حتى لا يلاحظ ما الذي نخسره بسبب هذا المناخ.

لقد شعرت عندما سمعت صوت السيدة عائشة في الهاتف وكأن الضمير والأخلاق الجميلة التي كنت قد ظننت لوهلة أنها قد اندثرت لدى شعبنا الأصيل قد أشرقت من جديد كالشمس على ذلك المناخ الظلامي.

لقد بكى ذلك الصوت وتوسّل إليّ من أجل شخص آخر عندما قالت “أرجوك، يمكننا أن نرسل إليك التوقيعات التي جمعناها من أبناء الحي، لكننا لا نريد أن يأخذوا منا جيراننا، لقد اعتدنا على الحياة معهم”.

إننا نتحدث هنا عن الجار يا سادة!

صحيح أن السوريين جاؤوا كمهاجرين، لكن حالة الهجرة هذه لا تستمر للأبد. وفي الواقع فإنهم لم يحملوا أحدهم همهم على المستوى الفردي وكأنهم مهاجرون بما تحمله الكلمة من معان. بل أصبحوا الآن جيراننا.

فما حق الجار على جيرانه؟ وهل كان لذلك علاقة بالجنسية أو الضرائب التي ندفعها؟ لا أعلم عن ذلك شيئا، لكني رأيت في صوت السيدة عائشة التي بكت من أجل “جيرانها” نور الأمل من أجل الإنسانية كلها. تقول ذلك الإنسان هو جارك، فهو ليس جهنم أو شخص أجنبي أو جماد، بل إنه جارك..

انتهى.

خلفية عن الحملة الأخيرة في إسطنبول

يذكر أن السلطات التركية بدأت منذ حوالي أسبوعين حملة موسعة لمكافحة الهجرة الغير شرعية في ولاية إسطنبول، كان للسوريين النصيب الأكبر منها باعتبارهم أكبر جالية أجنبية في الولاية إذ يصل عددهم لحوالي مليون سوري بينهم حوالي 550 ألف مسجلين بشكلٍ رسمي.

وكانت السلطات التركية طالبت اللاجئين السوريين المقيمين في إسطنبول ولا يحملون بطاقة حماية صادرة عنها إلى قوننة أوضاعهم عبر العودة للولايات المسجلين فيها بالنسبة لحملة بطاقة الحماية المؤقتة، والسفر لمدن أخرى ما زالت تسجل السوريين لمن لا يحملون بطاقة الحماية المؤقتة.

وأمهلت السلطات التركية السوريين المخالفين مهلة حتى 24 أب/ أغسطس الجاري حتى يتم تنفيذ القانون.

وكان أكثر من 4 آلاف لاجئ سوري جرى توثيق تسفيرهم من ولاية إسطنبول التركية إلى محافظة إدلب رغم كونها مازالت محافظة غير آمنة، وذلك بالرغم من تصريح وزير الداخلية التركي سليمان صويلو الذي أكد أن القانون ينص على “ترحيل من يحمل بطاقة حماية مؤقتة للولاية المسجل فيها، ومن لايحمل بطاقة مؤقتة يجري ترحيله لولاية تحددها وزارة الداخلية”.

تعليقات فيسبوك
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق