هل باع أردوغان إدلب؟

إدلب (سوريا) – خاص مدى بوست

“أردوغان باع إدلب”، تلك العبارة باتت تنتشر بشكلٍ لافت على الشبكات الاجتماعية وفي الصفحات الفيسبوكية متهمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعقد صفقة تخلّى بموجبها عن إدلب.

بدأت العبارات المشابهة لتلك العبارة بالانتشار بكثرة بعد تمكن الميليشيات الروـ أسدية من السيطرة على مدينة خان شيخون الإستراتيجية بريف إدلب الجنوبي، وهو ما أدى لسقوط ريف حماة الشمالي في قبضة نظام الأسد.

كذلك أدت السيطرة على خان شيخون لحصار وإن كان غير معلن لنقطة المراقبة التركية التاسعة المتمركزة في مورك، وهي التي انتشرت صور لعناصر الأسد من قربها خلال اليومين الماضيين.

هل تخلّى أردوغان عن إدلب؟

قبل الحديث عن تخلي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن محافظة إدلب، لا بد من الإشارة إلى أنه يحكم بلداً مكوناً من 81 مليون، وعدة أحزاب معارضة، بعضها موالٍ لنظام الأسد بالفعل ويطالب بإعادة العلاقات معه.

كما واجه حزب العدالة والتنمية الحاكم مشكلة داخلية حقيقية في الانتخابات البلدية الأخيرة التي أدّت لخسارته رئاسة بلديات كبرى الولايات، لاسيما إسطنبول وأنقرة.

بعيداً عن المسائل السياسية الداخلية التركية المعقدة والتي تجبر الحكومة التركية على دراسة أي خطوة لها بعناية، خاصة إن كانت ترتبط بشعب جار وصديق ولا ترتبط بالمواطن التركي بشكلٍ مباشر.

من المعلوم أن تركيا دخلت إلى إدلب لعدّة أهداف، أبرزها حفظ أمنها القومي وحماية المدنيين السوريين، لكن لو تساءلنا عن طبيعة الأمن القومي التركي هنا فلا بد من الإشارة إلى أنه مرتبط بشكلٍ وثيق بأمان أهالي محافظة إدلب.

فكما يعلم الجميع، من يسيطر على محافظة إدلب هي جماعات المعارضة السورية وهيئة تحرير الشام، وكلاهما لا يشكلان خطراً على الأراضي التركية مثل الذي تشكّله الميليشيات الكردية “بي واي دي” الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا والذي يخوض صراعاً مسلحاً ضد الدولة منذ عشرات السنين.

وعليه فتركيا لا تخشى من تواجد تنظيمات ترغب بالسيطرة على أراضيها لانفصالها وإقامة دولة كردية على حدودها، وإنما تخشى من موجة لجوء جديدة كبيرة تزيد من أعداد اللاجئين لديها، وتضاعف من حجم مشاكلها الداخلية.

يمكن لتركيا أن تغلق أبوابها بوجه اللاجئين، أو أن تدخلهم لمناطق برية مثل ما فعل الأردن العربي الشقيق مع السوريين ووضع عشرات الآلاف منهم في مخيمات صحراوية أبرزها مخيم الزعتري، لكن تركيا تسعى جاهدة لأن لا يفرض عليها شيء مثل ذلك.

مع تجاهل العالم أجمع، عرباً وعجماً لما يجري في إدلب، والتعامل معه وكأنه مشكلة داخلية تركية لا يمكن أن نلوم أردوغان الذي بات واضحاً للمتابع للشأن السوري أن ما يجري هو تأمر عليه لتوريطه في إدلب أكثر وأكثر وإدخاله بمواجهة عسكرية مع روسيا الجميع يعلم أن ليس لدى تركيا القدرة على خوضها منفردة، لكنّها لو أجبرت ربّما تدخل فيها، وذلك من يقرره هو الجيش والقيادة التركية فقط ويتم بناءاً على المصالح العليا للدولة التركية، دون الالتفات للعواطف.

وبعد استعراض كل تلك المعطيات التي تؤثر في القرار التركي، نعيد السؤال: هل تخلى أردوغان عن إدلب أو باعها؟، الإجابة هي لا، لم ولن يتخلى، وأكبر دليل على ذلك أن عملية الاجتياح الروـ أسدية التي كانت مقررة العام الماضي بعد قمّة طهران بين الزعماء الثلاثة تم تأجيلها عقب زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى سوتشي، والتي نتج عنها اتفاقية خفض التصعيد.

صحيح أن تلك الاتفاقية هي التي أدّت للوضع الحالي بعد عدم التزام الروس ونظام الأسد بها، لكن هل يمكن تحميل تركيا مسؤولية ذلك؟، هل كان يطلب من تركيا أن تتدخل بجيشها لإيقاف الروس والإيرانيين؟، كنا نتمنى أن تكون الإجابة نعم، لكن السياسة لا تعمل بالعواطف والتمنيات، وإنما تدار بمصالح الدول والشعوب مع بقاء هامش للإنسانية والعاطفة لا يستخدمه معظم الساسة كما تعلمون.

وصحيح أن اتفاقية سوتشي أدّت للوضع الحالي بطريقة أو بأخرى، لكنّها بالتأكيد جنّبت إدلب سيناريو أسوأ بكثير كان قد أعد لها في ذلك الوقت، ولعل الصور التي تم تداولها لأردوغان خلال مؤتمر طهران الذي بث على الهواء مباشرة وكيف تبدلت ملامح وجهه وبدا الحزن واضحاً عليه تروي جانباً مما كان يعد لإدلب.

الدليل الآخر، هو أن أردوغان سيزور يوم الثلاثاء 27 أغسطس/ آب الجاري  روسيا لبحث مصير “إدلب السورية” في قمة يعقدها مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، فلماذا لم نسمع صوتاً للعرب أو الدول الإسلامية الأخرى حول إدلب.

ومن الأدلة الأخرى هي التصريحات المتناغمة بين قادة الجيش التركي حول عدم نية الجيش سحب نقاط المراقبة المنتشرة في سوريا، بل على العكس من ذلك تستمر تركيا بإرسال التعزيزات العسكرية لتلك الوحدات المنتشرة في 12 نقطة مراقبة بمختلف مناطق الشمال السوري.

فبعد أن أكد أحد ضباط نقاط المراقبة المنتشرة في سوريا بتصريحات لمواقع إخبارية تركية حول عدم نية بلاده سحب أي جندي من سوريا، وتأكيده على أن تواجدهم جاء لحماية الشعب السوري، أكد وزير الدفاع التركي الأمر ذاته مراراً.

وبعد سيطرة النظام على خان شيخون قال خلوصي آكار وزير الدفاع التركي في تصريحات جديدة نقلتها وكالة الأناضول التركية للأنباء إن بلاده ستستخدم حقّها المشروع في الدفاع حتى النهاية في حال أي هجوم ضد نقاط المراقبة الخاصة بها او وجودها في إدلب”.

تصريحات آكار تؤكد أن الدولة التركية قد تدخل في حرب من أجل إدلب، لكن كيف ومتى هي من تقرر ذلك وليست عواطفنا التي تدفع لقيام القيامة إن تمكنا حتى يتخلص شعبنا من كم الظلم الذي يتعرض له دولياً وأسدياً.

تركيا لم تأخذ سلاح أحد ولم تمنع أحد من الدفاع عن أرضه 

على سياق ذي صلة، يقول مدير مركز دمشق للدراسات السياسية بمنطقة الشرق الأوسط، والذي يتخذ من ولاية إسطنبول مقراً له، أنه لا يوجد لأحد دين على تركيا كي يهاجمها بالكلام المسيء عبر الشبكات الاجتماعية.

ويضيف أبو الفرقان في تغريدة عبر حسابه بموقع “تويتر” أن :”الفاشلون هكذا دائما  يلقون نتيجة فشلهم على الآخرين ، تركيا لم تمنع أحد أن يدافع عن بلده ولم تأخذ سلاح أحد”، مؤكداً أن ” تركيا ستمضي بسياستها ضمن الرؤية التركية”.

ما تحدث عنه أبو الفرقان ينسجم إلى حد كبير مع ما تحدث به رئيس المكتب السياسي لفصيل “لواء المعتصم” التابع للجيش الوطني السوري، مصطفى سيجري في سلسلة تغريدات عبر حسابه الشخصي في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” حاول خلالها تلخيص المشهد في الشمال السوري بالوقت الحالي.

واتهم سيجري هيئة تحرير الشام بأنها تسببت بخسارة خان شيخون والريف الشمالي لمحافظة حماة، حيث قال “بعد أن نص اتفاق سوتشي سابقاً على إقامة منطقة عازلة، وحل تنظيم جبهة النصرة، وحل ما يسمى حكومة الإنقاذ التابعة للجولاني، وفتح الطرقات الدولية، وتسيير دوريات تركية روسية مشتركة بشكل دوري في المنطقة العازلة، وتعهد الأتراك بذلك بهدف تجنيب المنطقة ويلات الحرب،  تركيا بدأت العمل على إنجاز الإتفاق”.

وأضاف:”والنتيجة: النصرة ترفض حل التنظيم، وترفض حل عصابة الإنقاذ، وترفض الانسحاب من المنطقة العازلة، وتصدر بيانات رسمية تعلن فيها الرفض الكامل لاتفاق سوتشي، وترفض دخول معظم قوات الجيش الوطني للدفاع عن المنطقة، وترفض دخول السلاح الثقيل لحماية المنطقة”.

واتهم سيجري هيئة تحرير الشام بالتقاعس عن حماية الأراضي المحررة والدفاع عنها خلال حملة النظام والروس الأخيرة على خان شيخون ومدن ريف حماة الشمالي.

وأشار بتغريدة أخرى :”عندما بدأت المعارك النصرة لم تدخل المعارك بأكثر من 20 إلى 30 % من قواتها، لم يشاهد السلاح الثقيل الذي سرقته سابقاً من الفصائل الثورية والإسلامية، لم يتم فتح مستودعات ومخازن السلاح التي نهبتها من الفصائل سابقاً، مع تغييب كبير ومتعمد للاستشهاديين والانغماسيين والتي لطالما تغنت بهم”.

وأوضح أنه “الآن دخل الاحتلال الروسي بالقوة بدعوى فشل تركيا في إنجاز الاتفاق وعدم قدرتها على حل جبهة النصرة، وكل أحاديث النصرة سابقا عن تمريغ أنف الروس بالتراب وعشرات الاستشهاديين ومئات الانغماسيين تبين كذبه بعد أن أخلت مواقعها في خان شيخون دون مقاومة تذكر، وعليه بات اتفاق سوتشي في مهب الريح”.

وأوضح سيجري أن الجانب التركي يجري مفاوضات مع الروس بالوقت الحالي لعقد اتفاق جديد بناءاً على الواقع الجديد الذي تم فرضه.

وقد أردف على ذلك ملاحظتين، الأولى قال فيها إنه “مالم يتم إنهاء تنظيم جبهة النصرة، فلا يوجد ضمانة لأي اتفاق، وما هو إلا ترحيل جديد للخلافات”.

أم الثانية فقد قال فيها:” لا أثق بالـعـدو الروسي، إلا أنني أثق بأن إنهاء النصرة وتنظيف البيت الداخلي وترتيبه، سيكون سبب في قلب الموازين”.

أين العرب.. وما الذي يفعلونه لأردوغان وإدلب؟

السوريون فاقدون للأمل من دولة مصر الموالية للنظام السوري بعد وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم لذلك فهم لا يتحدثون عن الدور المصري أو حتى دور ما يسمى بـ”جامعة الدولة العربية” التي لم تدعو لقمة واحدة لبحث ما يجري في إدلب أو تصدر بياناً واحداً، وكذلك يتعاملون مع السعودية – وهي أكبر قوة عربية في المنطقة من حيث التأثير- وكأنها ليس لها علاقة بمايجري رغم تصريحاتها الغير بعيدة عن ضرورة رحيل بشار الأسد إما سلماً أو عبر عملية عسكرية.

ولعل الكلمة الأكثر ترسخاً بذاكرة السوريين ما قاله وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ذات مرة لأحد الصحفيين عندما سأله عن طريقة التعامل مع نظام الأسد حال عدم التوصل لحل سياسي، برده “بتشوف”، فكانت كلمة “بتشوف” من الوزير السعودي إشارة إلى أن “إخوان نورة” سيهبون هبّة عربية لنجدة سوريا.

لكن ما حدث، هو أن المملكة العربية السعودية، وبكامل عروبتها وقصدها عملت على التآمر ضد تركيا في سوريا، فباتت تسلّح وتدعم الميليشيات الكردية شرق الفرات لعلمها اليقين بأن ذلك سيضاعف المخاوف التركية.

وأبرز دليل على ذلك هي زيارة ثامر السبهان، وزير الدولة السعودي والسفير السابق لدى العراق، إلى مناطق سيطرة الميليشيات الكردية هناك وعقده لاجتماعات معها.

ولا يخفى على أحد الدعم الإماراتي لقادة الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016، وعليه لن تساند الإمارات التي تحظى بعلاقات كبيرة مع إيران تركيا في سوريا، وإنما تتمنى وتسعى لإغراقها وإحداث المشاكل التي تؤثر على حكومة أردوغان هناك.

أما عن ما يفعله العرب لإدلب، فلا يحتاج لتحليل أو أحرف وكلمات كثيرة للتعبيرة عنه، إنهم ببساطة “لا يفعلون شيء”.

موقف تركيا في إدلب 

يقول الكاتب والباحث في الشؤون التركية، الفلسطيني سعيد الحاج إن موقف تركيا في إدلب موقف معقّد ومركّب، وغير قابل للتفسير بالثنائيات الحادة، فلا يصدق به كلام الصفقة المباشرة، ولا الدفاع المستميت”.

ويضيف في مقال نشره موقع “عربي 21” أن الموقف التركي مبني على عدة اعتبارات بعضها ثابت والآخر متغير، وبالتالي يمكن الحديث عن مروحة خيارات أمام أنقرة بإدلب، ليس بينها حتى اللحظة تسليم كامل إدلب لنظام الأسد، ولا بينها خوض معركة عسكرية ضد روسيا للدفاع عنها.

وسبق لتركيا أن قدّمت تسليحاً كبيراً لفصائل المعارضة السورية للتصدي لمحاولات النظام السوري التقدم، وقد أدت تلك المساعدات العسكرية لتمكين المعارضة السورية من الصمود لأشهر طويلة في عدة نقاط.

لكن يبقى من الغير منطقي أن تدخل تركيا حرباً بمفردها ضد دولة عظمى هي روسيا وميليشيات لبنانية وإيرانية وأسدية، في حين أن الفصائل لم تستطع التوحد بعد وليست قادرة على اتخاذ قرارها الفردي.

وتجدر الإشارة إلى أن تذبذب الثقة بات كثير الرواج، فإن تقدّمت المعارضة  قيل أن الفصائل تقدّمت بجهدها وقوّتها، وإن تقدّم نظام الأسد بدعمٍ من الاحتلال الروسي قيل أن الأتراك باعوا، وذلك بلا شك سيثير استياء الحليف الوحيد المتبقي للشعب السوري الحر الذي مازال صامداً في الشمال المحرر.

تعليقات فيسبوك
الوسوم

تعليق واحد

  1. اللهم انصر اردغان ع اعداء الاسلام والمسلمين ونحن متأكدون انه لن يتخلى عن الشعب السوري الف ألف تحيه لدوله الوحيده التي تساند الشعب السوري تركيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق