مؤشرات لخلاف بين أنقرة وموسكو.. قواعد عسكرية تركية جديدة لمنع الروس من “فرض الأمر الواقع”..و قاعدة أمريكية “تـسـتـهـدف تركيا”

إدلب (سوريا) – خاص مدى بوست

لا يمكن وصف ما يجري في سوريا في الوقت الحالي بكلماتٍ قليلة تلخص المشهد، فالواقع السوري يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، والثابت فيه هو استمرار معاناة السوريين.

في كل يوم يرتقي عشرات الشهداء في مناطق الشمال السوري المحرر بفعل الطلعات الجوية الروـ أسدية على المنطقة، كان آخرهم 9 شهداء في معرة النعمان ارتقوا اليوم الأربعاء 28 أغسطس/ آب 2019.

لكن إلقاء نظرة بسيطة على الواقع السوري عن قرب ستظهر لنا أن الأمر تجاوز مسألة الثورة منذ زمن بعيد وبات يمثل أجندة دولية، أما الجديد الآن فهو ظهور تلك القوى بوضوح في الساحة السورية بعد أن كان تواجدها يتم عبر الوكلاء.

سنستعرض في هذا التقرير بعض النقاط الجديدة التي تتحدث عن انتشار جديد للقوى العسكرية الفاعلة في سوريا، وكيف سيؤثر ذلك على المنطقة وتشكلّها؟!

الأتراك يقيمون نقاط مراقبة جديدة في إدلب 

أجرى وفداً عسكرياً تركياً جولة استطلاعية في عدة مواقع بريفي محافظة إدلب الجنوبي والشرقي الغربي، وذلك حسبما أفادت مصادر إعلامية متقاطعة.

وقالت وسائل إعلام محلية، الأربعاء 28 أغسطس/ آب 2019 إن الوفد العسكري التركي دخل صباح اليوم من معبر كفر لوسين العسكري شمال إدلب، ورافقه مجموعة من عناصر وقادة فصائل المعارضة السورية.

ويهدف الوفد العسكري التركي بشكلٍٍ خاصة لدراسة المنطقة من جديد وتحديد أماكن جديدة لتعزيز تواجد القوات العسكرية التركية بالشمال المحرر، فضلاً عن إنشاء عدة نقاط مراقبة جديدة بالمنطقة.

ونقلت شبكة “بلدي نيوز” عن مصدر عسكري خاص لم تذكر اسمه، قوله إن الوفد العسكري التركي قام بزيارة نقطة معر حطاط بريف إدلب الجنوبي، قب أن يعود باتجاه طريق أريحاـ سراقب بالجنوبي الشرقي لإدلب.

وأوضحت المصادر أن الوفد التركي استطلع مجموعة من النقاط غربي سراقب، بالإضافة لمعسكر الشبيبة ومعمل القرميد بالقرب من بلدة المسطومة في الريف الإدلبي.

وقام الوفد التركي بعد زيارة المناطق آنفة الذكر بإجراء زيارة لنقطة المراقبة التركية الحادية عشر المتمركزة بالقرب من مدينة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي.

وأجرى الوفد كذلك جولة استطلاعية للمنطقة القريبة من بلدة محمبل في ريف إدلب.

نقاط مراقبة مؤشر لخلاف مع موسكو 

وقال المصدر العسكري، إن تركيا تنوي إقامة مجموعة جديدة من نقاط المراقبة في الشمال السوري، على أن تصل لـ 4 نقاط جديدة، بحيث تصل إجمالي النقاط التركية المنتشرة بالشمال السوري لـ 16 نقطة مراقبة، إذ تملك أنقرة 12 نقطة حالياً بالفعل منتشرة بمختلف مناطق الشمال السوري.

وحسبما ذكر المصدر فإن نقاط المراقبة التركية الجديدة ستتمركز بمناطق مختلفة، إذ ستكون الأولى قرب مدينة سراقب، وستكون الثانية بالقرب من مدينة أريحا، وأخرى في جسر الشغور ورابعة قرب بلدة محمبل.

وتأتي زيارة الوفد التركي وقرار إنشاء نقاط مراقبة جديدة في سوريا بعد يوم واحد من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وبرفقته عدة وزراء بينهم وزير الدفاع خلوصي آكار إلى روسيا، حيث التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتباحث معه في عدة قضايا، كانت سوريا ومصير محافظة إدلب بالتحديد على رأسها.

فإدلب كما يرى المحللون كانت السبب الرئيسي لزيارة أردوغان التي لم يكن مخطط لها، وأعلن عنها بعد احتلال نظام الأسد والميليشيات الروسية والإيرانية لمدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، وإطباقها لحصار على نقطة المراقبة التركية التاسعة في مورك.

لا يعلم أحد ما الذي تم الاتفاق عليه بين أردوغان وبوتين، إذ لم يحتوي المؤتمر الصحفي للرجلين على أي تصريحات جديدة، وإنما تكرار لتصريحاتهم السابقة بصيغ مختلفة، لكن ما دار داخل الغرف المغلقة، وما جرى الحديث عنه على طاولة الاجتماع بينهما بالتأكيد كان مختلف، وسيظهر على الأرض في الأيام القليلة الماضية.

يعتبر نشر أنقرة لنقاط مراقبة جديدة من أول المؤشرات على الخلافات بين الروس والأتراك حول إدلب، فروسيا التي لا تمتلك حدوداً برية مع إدلب بالتأكيد لن تراعي مخاوف أنقرة التي تخشى موجة لجوء كبيرة مهما ادعت ذلك، لا سيما وأن موسكو هي المشارك الرئيسي في تشريد السوريين منذ تدخلها لمساندة بشار الأسد.

يشار إلى أن الدول الضامنة لمسار أستانة وهي “تركيا وروسيا و إيران”، اتفقت في 15 سبتمبر/ آيلول 2017 على إنشاء منطقة لخفض التصعيد بمحافظة إدلب.

وقد تضمن الاتفاق الذي لم يلتزم الروس ونظام الأسد به سوى أيام قليلة، أن تنشر تركيا 12 نقطة مراقبة في مختلف مناطق الشمال السوري.

جاويش أوغلو يتحدث عن الخلاف مع روسيا.. وأردوغان يتصل بـ “جونسون”

النقطة الثانية التي تشير إلى الخلافات الكبيرة بين روسيا وتركيا حول مصير محافظة إدلب، لا تحتاج إلى تأويل أو تحليل، بل هي تصريح واضح لوزير الخارجية التركي مولود جاوويش أوغلو.

وقال جاوويش أوغلو، الأربعاء 28 أغسطس/ آب في تصريحات صحافية نقلتها وكالة الأناضول التركية، إن “هناك بعض الخلافات مع روسيا حول سوريا، لكن العلاقات بيننا مبنية على الاحترام المتبادل”.

وتحمل تصريحات وزير الخارجية التركي تلميحاً صريحاً إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يصل لاتفاق يغير الوضع الحالي في محافظة إدلب، وهو ما يؤكده استمرار طائرات الروس بالطلعات على المدنيين.

فيما ذكرت الأناضول أن الرئيس التركي أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بحث خلاله معه آخر التطورات في ليبيا، وسوريا، وخاصة في محافظة إدلب.

ويعتبر حديث الرئيس التركي مع رئيس وزراء بريطانيا لبحث ملف إدلب معه بعد عودته من روسيا، دليلاً آخر على عدم توصل جهوده لإيقاف التصعيد الروـأسدي على إدلب لأي جديد يذكر.

مثلجات بوتين ترفع الحرارة في إدلب!

إن ظهور الرئيس التركي مع نظيره الروسي الذي قدّم له دعوة على “آيس كريم” لا يمكن أن ينظر له بأنه لفتة “لطيفة” في مدينة موسكو الشهيرة ببردها، بل هو أشبه بالبرودة التي استقبل فيها الرئيس الروسي نظيره التركي، دون أن يحقق على ما يبدو أي من مطالبه المرتبطة بإنقاذ شعب كامل يقيم في محافظة إدلب من الغارات الروـأسدية التي لا تفرّق بين الطفل والرجل والمرأة والشيخ.

لكن يبدو أن برودة الآيس كريم، أو المثلجات التي قدّمها بوتين سترفع الحرارة في محافظة إدلب، وهو ما أيقنه الأتراك حسب تحركاتهم الاحترازية الأخيرة الهادفة للتخفيف عن المدنين وطمأنتهم للبقاء في منازلهم التي تتعرض للدمار بشكلٍ يومي من قبل الروس والنظام قدر الإمكان.

والإشارة إلى “خاصة محافظة إدلب” في تصريحات نقلتها “نداء سوريا” عن الأناضول، تشير إلى وجود خلاف كبير وأن مرحلة جديدة ستبدأ في المحافظة، لن يكون قبل زيارة أردوغان كما هو بعدها.

وسبق ان أكدد محللون سياسيون أن الأتراك سيمضون قدماً في تقديم الدعم النوعي للفصائل الثورية المقاتلة في حال استمرار الروس بالتصعيد على المناطق المحررة، كما لم يستبعد البعض تزويد أنقرة للمعارضة السورية بأسلحة نوعية مثل مضادات طيران محمولة على الكتف، إلا انهم رهنوا ذلك بموافقة أمريكية ليست مستحيلة، حسبما ذكر بعضهم في تصريحات سابقة لموقع “مدى بوست“.

الأمريكيون يقيمون قواعد عسكرية قرب حدود تركيا 

من جهة أخرى، وفي خطوة من شأنها أن تستفز الجانب التركي، أنهت القوات الأمريكية المتمركزة في سوريا بناء قاعدة عسكرية في ريف محافظة الحسكة وعلى القرب من الحدود التركية السورية.

وقال موقع “الخابور”، إن القوات العسكرية الأمريكية العاملة في المناطق التي تسيطر عليها “مييشيات سوريا الديمقراطية” الحليفة لواشنطن، انتهت قبل أيامٍ قليلة من تشييد قاعدة عسكرية قرب بلدة الدرباسية بريف محافظة الحسكة، وتحديداً في بلدة الغنامية التي تقع على بعد 5 كم من الحدود التركية.

وتضم القاعدة العسكرية الأمريكية الجديدة في سوريا مهبط للطائرات المروحية، بالإضافة لاحتوائها على مستودعات للأسلحة والذخائر، وعدة مهاجع للجنود، فضلاً عن معسكر للتدريب الخاص.

وأوضح الموقع أن هدف الولايات المتحدة الأمريكية من إنشاء هذه القاعدة العسكرية هو منع الجيش التركي من تنفيذ أي عملية واسعة ضد الوحدات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي “ي بي دي”، والذي يمثل الذراع السوري لحزب “بي كي كي” التركي، والذي يخوض معارك ضد الدولة التركية منذ عشرات السنين.

وعلى الرغم من توصل الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا لاتفاق مبدأي حول المنطقة الآمنة التي ترغب أنقرة في إنشائها شرقي نهر الفرات لضمان أمن حدودها، إلا أن أمريكا تستمر بالمراوغة وتتباطء في تنفيذ الاتفاقيات.

وسبق أن حذر مسؤولون أتراك على رأسهم وزير الدفاع خلوصي آكار ان بلادهم لن تسمح للولايات المتحدة بالمماطلة، وأنها ستمضي في حماية أمنها القومي دون إذن أحد عندما يقتضي الأمر، مؤكدين أن “لصبر أنقرة حدود”.

وشهدت الأيام القليلة الماضية تسيير دوريات أمريكية قرب الحدود السورية التركية في إطار المرحلة الأولى من تنفيذ اتفاق المنطقة الآمنة بين الولايات المتحدة وتركيا، فيما يتوقع أن تشارك قوات تركية في هذه الدوريات خلال الأيام القادمة.

ولا تعتبر قاعدة الدرباسية هي القاعدة الأمريكية الأولى في سوريا، حيث تملك الولايات المتحدة بالفعل قواعد أخرى بسوريا، أبرزها قاعدة التنف القريبة من الحدود السورية العراقية.

كما تملك واشنطن قواعد  أخرى في سوريا أبرزها تلك المتمركزة بمنطقة عين العرب “كوباني”، وأخرى في عين عيسى، وقاعدة في حقل العمر النفطي ومنطقة الرميلان النفطي الشهير الواقع شرقي نهر الفرات.

ولا يعتبر إنشاء أمريكا لقاعدة عسكرية جديدة في سوريا أمر سار بالنسبة لأنقرة التي ترى في “قسد” الحليفة لواشنطن ما يشكل خطراً حقيقياً على أمنها القومي.

الأمريكيون كما الروس، لا يملكون حدوداً مع سوريا، وبالتالي لن يراعوا مخاوف أنقرة الأمنية مهما ادعوا ذلك، بل سيركزوا على مصالحهم، لاسيما وأن تمركزهم جاء في أهم المناطق الاقتصادية من حيث الثروات الباطنية والزراعية في سوريا.

من الممكن تشبيه انتشار القواع العسكرية الأجنبية في سوريا الكثيف بما كان يحدث خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، إلا أن هذه المرة لا يوجد سباق تسلح، فالجميع لديه أسلحة ويده على الزناد، لكن الرصاصة الأولى قد تكون كلفتها أكبر من أن تدفعها محافظة واحدة بحجم إدلب، أو دولة إقليمية أو عظمى واحدة.

تعليقات فيسبوك
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق