روسيا تبحث عن بديل للأسد وتعلن عدم تمسكها بالنظام السوري.. والقوات التركية تستعد لعملية شرق الفرات وسط مخاوف أمريكية

أنقرة (تركيا) – مدى بوست – فريق التحرير

صدرت دراستان عن مركزي الأبحاث، معهد “تشاتهام هاوس” البريطاني المرموق، وفريق “سينابس سورية”، حيث سلطت الأضواء على الأوضاع الاقتصادية في سوريا، ورسمت صورة سـ ـوداء عن مستقبل البلاد على الصعيدين السياسي والاجتماعي.

تلك الصورة القـ ـاتمة وبحسب الدراستين، ستزداد تعقيـ ـداً في ظل بقاء بشار الأسد رئيساً للجمهورية العربية السورية، الأمر الذي سيؤدي إلى فرض الاتحاد الأوروبي وأمريكا المزيد من العـ ـقوبات على النظام السوري، وهذا ما سيؤدي إلى حرمـ ـان دمشق من أي فرص لإعادة الإعمار، أو القدرة على التعافي اقتصادياً.

الأسد يعتمد كلياً على روسيا وإيران

وأكدت الدراستان على أن الأسد ما كان ليبقى يوماً واحداً على رأس السلطة في دمشق، لولا دعم روسيا وإيران له في كافة المجالات العسكرية والدبلوماسية والمالية، مما أدى إلى قيام الروس باستغلال هذا الأمر لصالحهم عن طريق توقيع عقود طويلة الأمد، استولت من خلالها على جزء كبير من عائدات الثروات السورية.




دعم روسيا وإيران للأسد ليس بالمجان

لأن السياسة لا تعرف إلا لغة المصالح، لم يكن دعم روسيا وإيران لنظام الأسد مجانياً، إنما جاء مقابل الحصول على امتيازات اقتصادية ومالية في سوريا، وتوقيع عقود إذعان تمتد لعقود طويلة.

وتقاسمت روسيا مع إيران معظم خيرات سوريا، حيث استولى الروس على ميناء طرطوس لمدة 49 عاماً وفق اتفاقية مع نظام الأسد، بينما تضع إيران نصب أعينها على مرفأ اللاذقية للاستيلاء عليه ونهب خيراته وعائداته المالية.

جندي روسي في ميناء طرطوسجندي روسي في ميناء طرطوس
جندي روسي في ميناء طرطوس

انهيار في أسس الاقتصاد السوري

تشير الدراسة الأولى التي صدرت عن معهد “تشاتهام هاوس” البريطاني المعروف، إلى وصول الليرة السورية إلى أدنى مستوياتها تاريخياً مقابل الدولار، إذ أصبحت تساوي 692 ليرة خلال شهر أيلول الفائت، بينما كانت تساوي 50 ليرة قبل بداية الأحداث في سوريا.

ويؤكد ،الباحث “زكي محشي”، الذي أعد هذه الدراسة، أن انهيار الليرة ليس مؤشراً إلى أز مة مالية عابرة، إنما هو انهـ ـيار في أسس الاقتصاد السوري.

وأشارت الدراسة إلى أن قيمة الأضـ ـرار الاقتصادية الناجمة عن الوضع في سوريا، تقدر بحوالي 430 مليار دولار، وأن إيران قدمت قروضاً بقيمة 6 مليارات دولار حتى يستطيع نظام الأسد من استيراد الطاقة، وأشياء أخرى من الجمهورية الإسلامية، ناهيك عن استيراد 2 مليون برميل نفط بشكل يومي.

وتنبأت الدراسة بأن الأمور ستصبح أكثر سـ ـوءاً، عندما تباشر الولايات المتحدة الأمريكية العمل “بقانون قيصر”، الذي سيفرض عقـ ـوبات قوية وقاسـ ـية على نظام الأسد، وهذا ما سيؤدي إلى حـ ـرمان النظام السوري من الحصول على مبلغ بحوالي 5 ملايين دولار، التي يتم تحويلها بشكل يومي من المغتربين السوريين إلى ذويهم في الداخل السوري.

روسيا تفكر في مرحلة ما بعد الأسد وتبحث عن بديل له

أما الدراسة الثانية الصادرة عن فريق “سينابس سورية”، بدعم وتمويل أوروبي، فقد أكدت أن كل جهود إيران وروسيا في دعم اقتصاد نظام الأسد، ما هي إلا محاولات ستبوء بالفشل، وستزيد الخلل في هيكل الاقتصاد السوري.

وأوضحت الدراسة أن الروس والإيرانيين يسعيان جاهداً لتعويض نفقاتهم في سوريا، وذلك من خلال الاستيلاء على المزيد من الخيرات والثروات السورية، في عملية تندرج في نطاق رهـ.ـن مستقبل سوريا الاقتصادي.

وبحسب الدراسة، فإن مصادر في الإدارة الأمريكية، تحدثت عن أن روسيا بدت مرهقة ومتعبة من التكاليف الباهـ ـظة التي انفقتها في دعم النظام السوري، وأنها بدأت تفكر جدياً في مرحلة ما بعد الأسد، وبدأت البحث عن بديل مناسب له في الفترة القادمة.




لماذا تدفع روسيا بعجلة الحل السياسي؟

على ضوء ما سبق، لم يبقى أمام روسيا سوى الضغط على نظام الأسد لقبول الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية، برعاية أممية، من أجل صياغة دستور جديد لسوريا، واستفتاء شعبي ومن ثم انتخابات رئاسية.

حيث أشارت المصادر إلى أن روسيا تدرك تماماً أنه لا يمكن رفع العـ ـقوبات الغربية في ظل وجود الأسد، لذلك تسعى لإيجاد بديل موالٍ لها، تضمن أن يحفظ امتيازاتها الاقتصادية التي حصلت عليها في سوريا، ويساهم في قبول الغربيين دعم مشاريع إعادة الإعمار، وتنفيذ الكثير من المشاريع التنموية التي تهدف إلى إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

عرض عسكري للسفن الروسية في ميناء طرطوس
عرض عسكري للسفن الروسية في ميناء طرطوس

لافروف يؤكد أن بلاده لا تتمسك بالأسد

بدوره، وفي تغيّر واضح في لهجته تجاه الملف السوري، أعلن “سيرغي لافروف”، وزير خارجية روسيا، أن بلاده لا تتمسك بشخص أو نظام معين في سوريا، في إشارة واضحة لبشار الأسد.

حيث صرح لـ “صحيفة الشرق الأوسط”، في مقابلة صحفية، أن سياسة روسيا في سوريا، لم تكن مبنية على شخصنة الأحداث، وإن بلاده لا تتمسك بأسماء معينة أو شخصيات محددة، وأنها لا تقف مع شخص ضد آخر.

وأضاف، أن الجيش الروسي لم يتدخل في سوريا، إلا بناءً على طلب الحكومة السورية، وقدمنا للنظام السوري الدعم في حـ ـربها على الإرهـ ـاب، على حد زعمه.

وأعرب “لافروف”، عن ترحيبه بإعلان تشكيل اللجنة الدستورية السورية، بناءً على قرارات المؤتمر الوطني للحوار الذي أقيم في “سوتشي”، معتبراً أنه حان وقت عودة النظام السوري إلى العائلة العربية، بعد المضي قدماً في الحل السياسي بسوريا.

ماذا قال لافروف عن السعودية وإيران؟

قال “لافروف” إن عودة النظام السوري لمقعده في مجلس جامعة الدول العربية، يتوقف على قرار المملكة العربية السعودية، لأن صوتها مسموع عربياً وعالمياً، حسب تعبيره.

وأفصح عن موقف بلاده تجاه وجود إيران في سوريا، بقوله: “إن وجود القوات الإيرانية على الأراضي السورية، جاء بدعوة رسمية من نظام بشار الأسد، وبهذا يكون تواجداً شرعياً، وتساءل عن التواجد الأمريكي، حيث قال: “ماذا عن وجود قوات أمريكية شمال شرق سوريا.

زيارة مرتقبة لبوتين إلى السعودية

جاءت تصريحات وزير الخارجية الروسي لصحيفة سعودية، في ظل زيارة مرتقبة للرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إلى المملكة العربية السعودية، حيث من المتوقع أن يصل إلى الرياض خلال الشهر الحالي، ومن المخطط أن يلتقي بولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” في زيارة تعتبر مهمة للغاية، وستشهد توقيع اتفاقيات على مستوى عالي من الأهمية.

هذا وقد أعرب “سيرغي لافروف”، عن العلاقة الجيدة التي تربط بلاده بالمملكة، مؤكداً أنها تقوم على الصداقة والتنوع في المصالح، وأن هناك أهمية خاصة للزيارة المقبلة للرئيس بوتين إلى السعودية على كافة الأصعدة.

تركيا تستعد للتوغل شرق الفرات

على صعيد آخر أعرب “خلوصي آكار”، وزير الدفاع التركي، عن عزم بلاده إقامة المنطقة الآمنة بشكل منفرد، شمال شرق سوريا، وذلك في حال استمرار الولايات المتحدة بالمماطلة والإخلال بالوعود.

وأشار أن تركيا، لن تقف مكتوفة الأيدي، إذا ما تم تهديد جهود إنشاء المنطقة الآمنة شرقي الفرات، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، محذّراً من أن بلاده ستمضي في حل هذا الملف بمفردها، لإنهاء المخـ ـاطر التي تـ ـهدد الأمن القومي التركي، المتمثل بتواجد فصائل انفصالية على حدودها مع سوريا.

وقال “آكار”، في كلمة له اليوم الخميس 3 أكتوبر/تشرين الأول 2019، بمدينة اسطنبول، إن إنشاء المنطقة الآمنة المنزوعة من السـ.ـلاح الثقيل الإرهـ ـاربيين على طول الحدود وبعمق حوالي 35 كيلو متراً، يعتبر أمراً محسوماً بالنسبة لتركيا.

وأشار إلى إن أنقرة تتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، بشأن إنشاء قواعد عسكرية في منطقة شرق الفرات، وقد بدأنا بتسيير دوريات برية وطلعات جوية مشتركة، لكن هذا لا يعني مطلقاً أننا لن نقوم بعمل أحادي الجانب وإقامة المنطقة وإنشاء القواعد إذا لزم الأمر، وذلك وفقاً لتعبيره.

آليات عسكرية تركية بالقرب من مدينة تل أبيض الحدوديةآليات عسكرية تركية بالقرب من مدينة تل أبيض الحدودية
آليات عسكرية تركية بالقرب من مدينة تل أبيض الحدودية

المخاوف التركية لها ما يبررها

تبرز بعض إشارات الاستفهام والمخاوف لدى الجانب التركي، من تكرار تجربة الدوريات المشتركة التي حصلت في مدينة منبج بريف حلب الشرقي، حيث أخلت الولايات المتحدة الأمريكية بوعودها، وماطلت كثيراً دون تنفيذ الاتفاق، حيث قامت بحماية الميليشيات الكردية هناك، ومنـ ـعت تركيا من التدخل لإنهاء وجودهم.

وتأتي تصريحات وزير الدفاع التركي بالتزامن مع تجمعات وحشود للقوات التركية، على الحدود مع سوريا، من جهة الشرق، بمواجهة مدينة “تل أبيض” التي تعتبرها تركيا نقطة البداية لإنشاء المنطقة الآمنة شمال شرق سوريا.



قلق أمريكي من الاستعدادات التركية

في سياق متصل، أبدى مسؤولون أمريكيون قلقهم حيال نية في اتخاذ تركيا خطوة احادية الجانب، والتوغل شرق الفرات، في المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، التي تعرف بـ “قسد”.

وتصاعدت المخاوف الأمريكية، بهذا الشأن، لأن أي تقوم بها تركية بشكل منفردة بخصوص إنشاء المنطقة الآمنة، ستعني بالضرورة أن الرئيس الأمريكي”دونالد ترامب”، سيأمر بسحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا.

وقالت صحيفة “وول ستريت جورنال” اليوم الخميس، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، إن هناك مؤشرات ودلائل كثيرة، تشيرإلى النوايا التركية في إدخال قواتها شمال شرقي سوريا، الخطوة التي تعتبرها واشنطن تمثل خـ ـطراً على القوات الأمريكية المتواجدة هناك.

من جانبه كان وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو”، قد صرح مؤخراً بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتعاون مع تركيا بالطريقة المرجوة، بشأن إنشاء المنطقة الآمنة، شرق الفرات، مشيراً إلى أن القوات التركية في كامل جاهزيتها لتنفيذ العملية بشكل منفرد.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يرفع صورة خريطة المنطقة الآمنة وفق الرؤية التركية

وبهذا الخصوص، علقت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، بقولها: إن تركيا بإمكانها أن تختار إدخال عدد محدود من القوات البرية والآليات، الأمر الذي سيؤدي إلى “ردود فعل كردية صامتة ومحدودة”، على حد تعبيرها.

لكن في المقابل في حال بدأت تركيا عملية عسكرية على نطاق واسع، كما تدل المؤشرات، فإنه لن يكون أمام القوات الأمريكية سوى الانسحاب من المنطقة، لتجنب المواجهة مع الجانب التركي حليفها في حلف الشمال أطلسي “الناتو”.

هذا ولا يزال الاتفاق على إقامة المنطقة الآمنة مجهول المعالم والتفاصيل حتى اللحظة، في ظل التحذيرات التي أطلقتها تركيا اليوم على لسان وزير دفاعها، بأن بلاده عازمة على إقامة المنطقة، في حال واصلت أمريكا مماطلتها وحمايتها للميليشيات الكردية شرق الفرات.

تجدر الإشارة إلى أن كل من الجانب التركي، والجانب الأمريكي، يقومان في الوقت الراهن بخطوات تنفيذ المنطقة الآمنة على الحدود الشمالية لسوريا، حيث تم الاتفاق على إنشائها بتاريخ 7 أغسطس/آب الفائت، بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن غير المعروف حتى الآن مدى إمكانية نجاح هذا الاتفاق، حيث يأتي كل ما سبق في ظل تحذيرات واستعدادات تركية يقابلها ترقب وقلق ومخاوف أمريكية.

تعليقات فيسبوك
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق