يعتقدون أنّه” أقوى من المسيح”..  جزيرة بالمحيط الهادئ تعبد روح جندي أمريكي “جون فروم” وتنتظر عودته بالكوكاكولا وسيارات “الكاديلاك” 

تانا (فانواتو) – مدى بوست – ترجمة

في 15 فبراير من كل عام، يجتمع أتباع أحد أغرب الطوائف الدينية في العالم، عند قاعدة بركان نشط جنوب المحيط الهادئ، لإقامة طقس ديني يتمثل في التعـ.ـبد إلى روح جندي أمريكي من أيام الحـ.ـرب العالمية الثانية!

في هذا الاحتفال الديني، يقوم كبار السن من سكان الجزيرة بارتداء أزياء عسكرية أمريكية ويضعون ميداليات، بينما يرسم الشباب وصغار السن علم الولايات المتحدة على صدورهم العارية بالطلاء، وعندما يبدأ الاحتفال يقومون جميعا بالسير حول أحد الأعمدة بطريقة عسكرية، قبل أن يبدأوا في رفع العلم الأمريكي.

هذه هي طقوس أتباع الجندي الأمريكي “جون فروم” الذين يعتقدون أنه “أقوى من المسيح”، فما قصة هذه الطائفة؟!



بركان ياسور النشط

يعيش أتباع طائفة “جون فروم” في قرية صغيرة بالقرب من قاعدة جبل ياسور، وهو بركان نشط في جزيرة تانا، التابعة لدولة “فانواتو”.

ودولة فانواتو هي جمهورية معترف بها تقع جنوب المحيط الهادئ، عبارة عن مجموعة جزر صغيرة تمثل أرخبيل من أصل بركاني يقع على بعد 1750 كم تقريبا شمال شرق أستراليا بالقرب من غينيا الجديدة.

والسكان الأصليون لهذه الدولة هم “الميلانيزيون”، وهي مجموعة عرقية خاصة تمثل ساكني منطقة ميلانيزيا الواقعة في المحيط الهادئ، ويعتقد أنهم أسلاف شعب بابوا الحالي، حيث وصلوا إلى هذه الجزر بعدما هاجروا من جنوب شرق آسيا.

صورة لرجال قرب البركان نشرتها ديلي ميل

يتحدث الميلانيزيون أكثر من مائة لغة، وتعتبر لغة “بيسلاما” هي أكثر اللغات انتشارا بينهم، وهي عبارة عن خليط بين الإنجليزية والميلانيزية القديمة، فيما يبلغ عدد سكان الدولة ككل قرابة 270 ألف نسمة، 85% منهم من المسيحيين، والباقي إما مسلمين أو يتبعون أديان وثنية.




الجندي الذي هبط من السماء

تقول صحيفة “ديلي ميل” البريطانية dailymail إن بداية ظهور طائفة “جون فروم” كان بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث صادف أن كانت جزيرة “تانا” محطة التقاء القوات الأمريكية التي تستعد للحرب ضد اليابان، حيث استقبلت الجزيرة قرابة 300 ألف جندي أمريكي في ذلك الوقت، وكان أول جنود وصلوا إلى هذه الجزيرة هم جنود المظلات، لذا ظل عالقا في أذهان سكان الجزيرة أن الجندي الأمريكي جاء من السماء، حسبما ترجم موقع “مدى بوست”.

واستعداداً لهذه الحرب، قام الجنود الأمريكان ببناء مهابط للطائرات على الجزيرة ومستشفيات، كما تدفق الطعام والإمداد على الجزيرة وسكانها لأول مرة في تاريخها بكثافة لم يشهدوها من قبل، وهو ما أحدث ما يمكن وصفه بـ”صـ.ـدمة حضارية” للسكان.

وجاء اسم “جون فروم” من الطريقة التي كان يقدم بها الجنود الأمريكان أنفسهم لسكان الجزيرة، حيث كانوا يقولون مثلا “أنا جون من نيويورك” أو “أنا جون من ميامي” وتنطبق بالإنجليزية، I’m John from New York، وعلى هذا لم يعلق في أذهان سكان القرية الذين لم يسمعوا الإنجليزية من قبل، سوى كلمة “John from”، والتي استخدموها لاحقا للتعبير عن أي جندي أمريكي.

مجموعة من الصور للطائفة المذكورة نشرتها صحيفة “ديلي ميل” البريطانية

ويعتقد من درسوا عقيدة سكان الجزيرة، أن “جون فروم” طبقا لهذا المعنى ليس شخص بعينه، بل هو لفظ يعبر عن كل الجنود الأمريكان في المجمل الذين تواجدوا على الجزيرة إبان الحرب العالمية الثانية.

وبعدما استمتع السكان بخيرات الجنود طوال فترة الحرب، اختفى كل ذلك عندما غادر الأمريكان الجزيرة عقب انتهاء المـ.ـعارك، فاختفى الطعام والبضائع، ولأن السكان آمنوا بأن الجنود كانوا سببا في فترة الرخاء غير المسبوقة التي عاشوها، فقد تمسك قسما كبيرا من السكان بأمل أن يعود الجنود الأمريكان “جون فروم” إلى الجزيرة يوما ما، حاملين معهم البضائع وكل وسائل الراحة الحديثة، ونتيجة قوة إيمانهم بهذا الأمر، تحول هذا الاعتقاد من مجرد أمل إلى عقيدة تطورت خلال الـ70 عاما الماضية إلى أن أصبحت ديانة وثنية يتوارثها أجيال الجزيرة.

وتقول شبكة “بي بي سي” البريطانية إن أتباع “جون فروم” أصبحوا يتجاوزون الستة آلاف شخص.




الروح التي تعرف كل شيء

ويقول حاكم سكان القبيلة والزعيم الروحي لعقيدة “جون فروم” ويدعى “إسحاق وان”، أن طائفته هي بمثابة حركة روحية وثقافية على حد سواء، مؤكدا أن أتباع الطائفة يؤمنون أنهم لو واصلوا الصلاة لجون فروم فسوف يعجلوا بعودته ومعه البضائع التي يحلمون بها.

ويضيف بقوله “جاء جون فروم لمساعدتنا على استعادة عاداتنا وتقاليدنا، استعادة شرابنا التقليدي ورقصاتنا الأصلية، بعدما كاد المبشرون والحكومة الاستعمارية يـ.ـدمـ.ـرون ثقافتنا بأفعالهم وتدخلاتهم”، متابعا “جون فروم هو روح تعرف كل شيء، إنه أقوى من المسيح”. 

من جانبه، يقول مولي إسحاق، ابن حاكم القرية، والذي يتوقع أن يتولى منصب والده يوما ما، إنه قضى ليلة على حافة البركان ضمن عملية تأهيليه المستقبلية لتولي القيادة، وفي تلك الليلة رأى شخصا وتحدث معه، يعتقد أنه “جون فروم”، مضيفا أن جون يستخدم البركان بمثابة قناة ينتقل عبرها من الجزيرة إلى أمريكا وسوف يعود من خلالها أيضا عبر البركان.

فيما يقول أحد كبار السن بالقرية: “ننتظر أن يعود جون فروم ويجلب لنا طائرات شحن محملة بكل من نريده من الولايات المتحدة استجابة لصلاتنا، سيجلب لنا أجهزة راديو وتلفزيونات وقوارب وساعات وأدوية وكوكاكولا وسيارات كاديلاك والعديد من الأشياء الرائعة الأخرى”.

صورة لطقوس احتفالية نشرتها ديلي ميل

الدفاع عن تقاليد الجزيرة

وتقول “ديلي ميل”، إن المبشرين البريطانيين والفرنسيين استقروا في جزر فانواتو في أواخر القرن التاسع عشر، وقاموا بحكم البلاد معا منذ عام 1906، وبحلول أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، تحول حكم المبشرين لجزيرة تانا إلى حكم استعماري قمـ.ـعي، حيث وضع المبشرون قواعد صـ.ـارمة تمنع سكان القرية الأصليين من ممارسة أي من عاداتهم أو تقاليدهم القديمة.

وكانوا يعـ.ـاقبون من يفعل ذلك بأساليب وطرق قمـ.ـعية، فظهرت حركات منـ.ـاوئة لهذا الاضـ.ـطهـ.ـاد، وفي هذا السياق تشكلت عقيدة “جون فروم” باعتبارها حركة ثقافية تسعى لإحياء تقاليد وثقافة الجزيرة.

فيديو يعرض جانب من حياة السكان

وعن طقوسهم الدينية، تقول “ديلي ميل” إن أتباع جون فروم اتخذوا من قاعدة جبر يسور أسفل البركان مكانا مقدسا لهم، حيث يجتمعون بشكل أسبوعي يوم الجمعة لإقامة احتفال صغير لتحية جون فروم ورفع العلم الأمريكي، بينما يكون احتفالهم السنوي الكبير يوم 15 فبراير من كل عام، والذي يشهد العديد من الطقوس والرقصات وبعض المشاهد التمثيلية، حسبما ترجم موقع “مدى بوست”.

وتقول الصحيفة البريطانية، أن أتباع “جون فروم” ودودين للغاية ويرحبون بالسياح، كما أنهم يسعون لإشراك الزوار في رقصاتهم وطقوسهم الدينية، واصطحابهم في رحلات إلى قمة البركان.




الإسلام في فانواتو

تقول بعض المصادر إن الإسلام وصل إلى جزر فانواتو قبل وصول المبشرين البريطانيين والفرنسيين، واستطاع أن ينتشر بها بشكل ملحوظ، إلا أنه مع وصول المبشرين، وفي غمرة حركة الاضـ.ـطهـ.ـاد التي استهدفت السكان الأصليين للجزر، فقد تم تهـ.ـجير أغلب المسلمين أما قسـ.ـرا أو هـ.ـربا من الاضـ.ـط.ـهاد.

ومن تبقى من سكان الجيرة، تعرض لعمليات تضلـ.ـيل واختلطت عقيدته بالطقوس والعادات الوثنية الأخرى، واستولى على المساجد القليلة التي بنيت في جزر فانواتو مجموعة من أصحاب العقائد المختلطة، التي ابتدعت ما يشبه عقيدة جديدة لها طقوس وعادات ليس لها علاقة بالإسلام سوى الاسم.

ولكن في العقود الأخيرة، عاد الإسلام الصحيح مرة أخرى إلى جزر فانواتو عن طريق رجل يدعى “فابنجا” الذي درس الإسلام في الهند وحفظ القرآن، حيث عاد إلى الجزر وأخذ يدعو السكان إلى العودة إلى الإسلام الصحيح، وأسلم على يديه قرابة 50 أسرة، كانوا بمثابة النواة التي تشكل المسلمين المتواجدين حاليا في فانواتو والبالغ عددهم قرابة ألف مسلم.

وحاليا يوجد بالعاصمة بورت فيلا مركزا إسلاميا أنشأته رابطة العالم الإسلامي كما قاموا بإهداء جامعة “جنوب محيط الهادئ” التي توجد بالعاصمة مكتبة إسلامية تضم مصاحف وترجمات لمعاني القرآن بالإنجليزية والفرنسية، كما تقوم الرابطة حاليا بتقديم منح لدراسة الدين الإسلامي لأبناء فانواتو من المسلمين.

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق