من عـ.ـبد في أمريكا إلى مناظر للقساوسة في إنجلترا بسبب ذكائه الشديد.. قصّة المسلم أيوب سليمان التي خلدتها لوحة استثنائية

مدى بوست – ترجمة

إذا توجهت إلى معرض البورتريهات الوطني في قلب العاصمة الإنجليزية لندن، ستفاجأ بلوحة زيتية تعود إلى القرن الثامن عشر، لرجل وسيم الطلعة هادئ الملامح واثق النظرات.

ولكن ما يثير الدهشة حول اللوحة ليس شيئا مما سبق، المدهش حقا هو أن اللوحة تصور رجلا أفريقياً مسلماً تم بيعه في سوق العبـ.ـيد يرتدي مصحفاً حول رقبته، وهو أمر غير مسبوق في اللوحات الفنية في ذلك الوقت التي كانت تركز على الرجال ذوي البشرة البيضاء فقط.

تلك اللوحة النادرة والاستثنائية، تخفي خلف ألوانها قصة مثيرة لرجل تمسك بهويته الإسلامية وأبهر الغرب بذكائه الشديد وذاكرته الحديدية، إنه المسلم “أيوب سليمان ديالو”، فما هي قصّته؟



رحلة العـ.ـبودية

ولد أيوب سليمان ديالو في عام 1701، في شرق ما يعرف حاليا بدولة السنغال في أفريقيا، ونشأ في أسرة مسلمة متدينة حرصت على أن يحفظ القرآن الكريم كاملا في سن صغيرة ويدرس المذهب المالكي، وفي هذه السن عرف عن أيوب ذكائه الشديد وذاكرته المذهلة.

كان والد أيوب يعمل في تجارة الـ.ـرقـ.ـيق، حيث كان له دور في بيع أبناء بلده إلى الأجانب، فشاء القدر أن يذوق الأب من نفس الكأس التي تجرعها الآخرون على يديه.

فقد كان أيوب ديالو في رحلة تجارية لبيع العبـ.ـيد بالقرب من نهر جامبيا، وقد بلغ من العمر ثلاثين عاما في ذلك الوقت، وفي هذه الأثناء، تعرض أيوب إلى الاختـ.ـطاف هو ومترجمه من قبل تجار عبـ.ـيد آخرين، قاموا بحلق لحيته وشعره ليبدو وكأنه أسيـ.ـر حـ.ـرب وليس مختـ.ـطف، وبالتالي يسهل بيعه كعـ.ـبد، وبالفعل قاموا ببعيه لبعض موظفي شركة “رويال أفريكان”.

عندما وضع أيوب على متن سفينة متجهة إلى أمريكا الشمالية، حاول مخاطبة كابتن المركب وشرح له وضعه الاجتماعي وأنه ليس أسيـ.ـر حـ.ـرب بل مختـ.ـطف من قبل تجار الرقيق، وأخبره أن والده زعيم القبيلة التي يعيش فيها قادر على دفع فديـ.ـة لإطـ.ـلاق سـراحه إذا ما تمكن من إرسال رسالة له يخبره بمكانه ووضعه، فوافق الكابتن وقرر عدم الإبحار بالسفينة لحين وصول رد الأب.

وبالفعل عثر أيوب ديالو على شخص يمكنه أن يبلغ أبيه بوضعه، فذهب الرسول برسالة أيوب، ولكنه تأخر في العودة، فقرر كاتبن السفينة وكان يدعى “هنري هانت” بشحن أيوب ديالو على السفينة ونقله من أفريقيا إلى أمريكا الشمالية عبر المحيط الأطلسي، ليصل في النهاية إلى مدينة أنابوليس بولاية ماريلاند الأمريكية.




المحافظة على الصلاة 

وفي الولايات المتحدة، تم بيع أيوب للعمل في مزرعة تبغ مملوكة لإحدى العائلات الأمريكية، وعلى الرغم من الظروف الصعـ.ـبة التي تعرض لها خلال تلك الفترة والصعـ.ـوبات الهائلة التي واجهها، إلا أنه كان حريصا على صلواته اليومية وأدائه للشعائر الإسلامية بانتظام.

وبسبب تدينه، كان يقوم ملاك المزرعة بالسخـ.ـرية منه وإهـ.ـانته وقـ.ـذفه بالقـ.ـاذورات أثناء أدائه للصلاة، وهو ما دفعه للهـ.ـرب من العائلة في إحدى الليالي، إلا أنه سرعان ما تم أسـ.ـره ونقله إلى السـ.ـجن.

وفي السجن كانت الأقدار تخبئ له مصيرا مختلفا عما كان يتوقعه، حيث صادف أن قابل محاميا إنجليزيا يدعى “توماس بلويت” الذي أعجب بتدين أيوب وبذكائه وذاكرته الحديدية، حتى أنه كتب عنه في كتاب ألفه عن تجربته العملية في المحاماة سماه “بعض مذاكرات حياة العمل”، حيث قال عن أيوب: “كانت ذاكرته استثنائية، فقد كان يحفظ القرآن كله عن ظهر قلب وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره…”.

توماس بلويت شجع أيوب على كتابة رسالة إلى أبيه في أفريقيا، ووعده بمساعدته في إرسالها، فكتب أيوب الرسالة باللغة العربية شارحا فيها صعـ.ـوبة الظروف التي يمر بها والآ لـ.ـام التي تعـ.ـرض لها، وفي أثناء محاولة إرسال الرسالة، وقع الخطاب في يد شخص يدعى “جيمس إدوارد أوجليثورب”، وهو مؤسس مستعـ.ـمرة جورجيا، حيث قام بترجمة الرسالة وفوجئ بمعناها وبأسلوبها الأدبي.

تأثر أوجليثورب بمحتوى الرسالة وببلاغة أيوب وفصاحته، وتعاطف معه بدرجة كبيرة، حتى أنه قرر دفع المال لشراء حرية أيوب ونقله من الولايات المتحدة إلى إنجلترا، كما كانت هذه الرسالة سببا في اقتـ.ـناع أوجليثورب بمسـ.ـاوئ العبـ.ـودية، وقرر حـ.ـظر العبودية في جورجيا، إلا أن هذا الحـ.ـظر لم يدم طويلا بسبب الضغوط الاقتصادية التي تعرضت لها المدينة.




لوحة استثنائية

في عام 1733 وصل الشاب أيوب ديالو إلى إنجلترا، حيث عومل على قدم المساواة مع غيره من المواطنين الإنجليزيين البيض، واعتاد أن يقيم معهم حوارات ومناظرات فكرية وهو أمر غير معتاد بالنسبة لأصحاب البشرة السمراء في ذلك الوقت.

كان الإنجليز ينظرون إلى أصحاب البشرة السوداء نظرة دو نية، ويعتقدون أنهم أقل ذكاء وقدرة على التفكير قياسا على الإنسان الأبيض، لذا فوجئ الإنجليز بذكاء أيوب ديالو وذاكرته المدهشة، حتى أنه دخل في مناظرات لاهوتية مع بعض القساوسة المسيحيين والأساقفة، ما أثار دهشة الجميع بسبب فصاحته وتمسكه بمعتقداته الدينية والدفاع عنها بشكل منظم ومقنع.

وبعدما رتب أوضاعه واستعد للعودة مجدداً إلى أفريقيا، قام أحد الرسامين ويدعى “ويليام هوار” برسم لوحة “بورتريه” لأيوب ديالو في عام 1734، وكانت لوحة استثنائية بلا شك، ليس فقط لدقة تصويرها الواقعي وجمال الظلال والأضواء فيها التي تنعكس على وجه ديالو بشكل مدهش، ولكن لأنه لم يكن من المعتاد في ذلك الوقت رسم بورتريهات في أوروبا لأصحاب البشرة السمراء.

فخلال القرن الثامن عشر، كان يتم تصوير الأشخاص ذوي البشرة السمراء في اللوحات الفنية بطرق تبالغ في ملامحهم وتصورهم وكأنهم أقرب إلى المسـ.ـوخ والشيـ.ـاطين منهم إلى بني البشر، كما أن أصحاب البشرة السمراء في المطلق لم يكونوا أبدا موضوعا للوحة فنية بشكل مستقل، بل كانوا يظهرون في خلفية اللوحات بينما يتصدر اللوحة دائما رجل أبيض أو امرأة بيضاء.




أيوب سليمان ديالو تمسّك بثقافته الإسلامية

المدهش حقا، أن الرسام ويليام هوار استخدم في هذه اللوحة كافة الأساليب الفنية التي كان يلجأ إليها عند رسم الأشخاص بيض البشرة، وعامل أيوب ديالو على قدم المساواة مع الإنجليز البيض، وهو ما جعلها اللوحة الأولى من نوعها التي تصور شخصا مسلما أفريقيا وعبـ.ـدا سابقا وتجعل وجهه موضوعا للوحة، وهو ما يكشف حجم الاحترام الذي حظي به أيوب ديالو في إنجلترا خلال السنوات القليلة التي قضاها هناك.

وما يؤكد مكانة أيوب ديالو خلال تلك الفترة، أنه عندما عرض عليه هوار رسم لوحة له، اشترط ديالو أن يتم رسمه وهو في كامل زيه التقليدي الأفريقي ذي الطابع الإسلامي.

ولأن أيوب ديالو لم يكن يمتلك في ذلك الوقت زيا تقليديا له مما كان يرتديه المسلمون عادة في بلاده، فقد قام هوار برسم الزي كما وصفه ديالو وتخيله الرسام، ولتأكيد تمسكه بهويته ودينه، حرص ديالو على تعليق “كتاب أحمر” صغير حول رقبته، هذا الكتاب ما هو إلا نسخة من ثلاث نسخ للمصحف الشريف، كتبها ديالو خلال فترة عبـ.ـوديته من ذاكرته!

أيوب سليمان ديالو
اللوحة التي تم رسمها لأيوب سليمان ديالو

والرائع حقا، أن أيوب ديالو لم يكن مهتما بأن يظهر في تلك اللوحة النادرة بشكل جميل أو وسيم، بل كان كل ما يفكر فيه هو أن يظهر تمسكه بثقافته ودينه وروحه، ويؤكد لكل من يشاهد الصورة أنه ظل متمسكا بهويته كمسلم أفريقي على مدار سنوات العبـ.ـودية.

وبعد رحلة طويلة، عاد ديالو أخيرا إلى بلاده سالما في غرب أفريقيا، ليكتب مذكراته الشهيرة في مدينة بوندو بالسنغال، التي تعد حاليا واحدا من أقدم الروايات التي كتبها أحد العبـ.ـيد بأنفسهم، والتي تسجل رحلته مع تجارة الـ.ـرقـ.ـيق.

This Black Muslim wrote the Quran from memory during enslavement in America ✊

Geplaatst door OnePath Network op Dinsdag 26 februari 2019

تعليقات فيسبوك
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق