ما سر العودة الأمريكية “القوية” إلى الملف السوري؟ وما علاقة “نبع السلام” واستمالة الأسد لـ”قسد” بذلك؟

خاص مدى بوست

بات واضحاً للمراقبين للشأن السوري، وطريقة تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع الملف السوري خلال الأيام القليلة الماضية أن هناك تغيراً كبيراً قد حصل.

قبل أسابيع، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية معنية كثيراً بما يجري في سوريا، باستثناء مناطق سيطرة ميليشيـ.ـات “قوات سوريا الديمقراطية” المعروفة إعلامياً باسم “قسد” والتي كانت تضم إلى جانبها قوات أمريكية.

لكن في الأيام القليلة الماضية، بدأت الولايات المتحدة تنشط بشكل كبير في الملف السوري، وهذا ما يشير إلى وجود رؤية جديدة لدى الإدارة الأمريكية للتعامل مع الملف السوري.

متى بدأ التغير في السياسة الأمريكية في سوريا؟

تغير السياسة الأمريكية في سوريا لم يبدأ منذ زمن طويل، ويمكننا القول أنّه بدأ منذ انطلاق عملية “نبع السلام” التي بدأها الجيش التركي بالتعاون مع الجيش الوطني السوري وتمكن خلالها من تحرير حوالي 4 آلاف كيلومتر مربع.

بعد ذلك تم إيقاف عملية “نبع السلام” بعد زيارة نائب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تركيا وإجرائه لمباحثات مع الرئيس التركي تم خلالها التعهد بسحب الميلشيـ.ـات المصنفة على قوائم الإرهـ.ـاب التركية من على الشريط الحدودي التركي السوري.

اقرأ أيضاً: بعد توقيع ترامب على “قيصر”.. واشنطن تدعو الروس والأسد لوقف عملية إدلب.. والخارجية الأمريكية توضح أهداف القانون “قيصر”.. ونظام الأسد يعلّق

وبالفعل، قد تم ذلك ولو جزئيا، لكن بطبيعة الحال، فقد أجبـ.ـرت عملية “نبع السلام” القوات الأمريكية على الانسحاب من عشرات المواقع والنقاط التي كانت تتمركز بها في سوريا.

بعد الانسحاب الأمريكي الذي وصفه كثيرون بأنه “صعـ.ـب” نظراً لوجود خلافـ.ـات بين أقطاب السياسة الأمريكية حول الانسحاب، ومعـ.ـارضة بعض نواب الكونغرس ووزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون لقرار ترامب، قامت أمريكا بإعادة نشر حوالي 600 جندي، ما يعني أنها عادت من جديد، ولكن من بوابة “حماية آبار النفط حتى لا تصل للنظام الأسد وعناصر تنظيم داعش”.

ما الخطوات التي أعلنت واشنطن عودتها للملف السوري من خلالها؟

اتخذت واشنطن العديد من الخطوات خلال الشهرين الماضيين يؤكدان عزمها النشاط بقوة أكبر خلال الأيام القليلة القادمة في الملف السوري، أبرزها:

1- إصدار بيانات متكررة من السفارة الأمريكية لدى دمشق، تتحدث عن جـ.ـرائـ.ـم نظام الأسد وحلفائه الروس في إدلب وتدعوهم لإيقافها.

2- إعلان الولايات المتحدة الأمريكية يوم السبت 21 ديسمبر/ كانون الأول 2019 عن عزمها تقديم مشروع قرار أممي لمجلس الأمن من أجل إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا.

3- إقرار الولايات المتحدة الأمريكية لقانون “قيصر” الذي من شأنه أن يجعـ.ـل وضع الأسد الاقتصادي ينهـ.ـار فضلاً عن تشكيله ضغـ.ـط كبير على موسكو و طهران.

4- إصدار وزارة الخارجية الأمريكية لبيانات عدة تحمل نظام الأسد مسؤولية ما وصلت له الأوضاع في سوريا.

اقرأ أيضاً:

ما قصّة طالوت وجالوت والتابـ.ـوت الذي ذكر بالقرآن؟ وكيف كانت سبباً في أن يرسل الله “داوود” نبياً وملكاً لبني إسرائيل؟

إلا أن تلك الخطوات الأمريكية لها ما يبررها من حيث مصلحتها، وليس مصلحة السوريين، إذ أن :

النظام السوري يحاول الاتفاق مع قسد 

لا تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى محاولات النظام السوري الاتفاق مع قسد بأريحية، فالسبب الوحيد الذي يجعل من بقاء الولايات المتحدة الأمريكية ممكناً في سوريا هو “الشراكة” مع تنظيم قسد.

وبمجرد أن يتمكن نظام الأسد من استمالة قسد لجانبه، لن يبقى هناك مبرراً للتواجد الأمريكي في سوريا، وهذا ما لا ترغب به إدارة ترامب لعدة اعتبارات، أبرزها التواجد في نقاط تحتوي على كميات كبيرة من الثروات الباطينة على رأسها النفط.

ومن الأسباب الأمريكية الأخرى للبقاء، هي الضغـ,ـوط الإسرائيلية التي ترى في تواجد القوات الأمريكية في سوريا ما يشكل راد عـ.ـاً ولو كان غير فعال إلى حد كبير لإيران التي وصلت بالفعل للحدود الإسرائيلية.

إذاً ما الذي تحاول فعله الولايات المتحدة في سوريا؟

من المتفق عليه سورياً، وبين المعارضين على الأقل، أن الولايات المتحدة الأمريكية لم ترغب يوماً في إنهـ.ـاء حكم عائلة الأسد في سوريا، فهي ترى فيهم الضامن الأكبر لأمن إسرائيل من ناحية الحدود السورية، وإن كان البحث عن بديل له وبنفس المميزات سيكون على قائمة الروس والأمريكان على حدٍ سواء، فالدول تحكمها المصالح وليس زراق عيون بشار الأسد.

ولما كانت روسيا ونظام الأسد تحاولان إخراج أمريكا من سوريا، عبر الحديث عن وجودها “غير الشرعي” تارة، ومحاولة الاتفاق مع قسد تارة أخرى، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية باتباع خطة جديدة تتمثل في زيادة الضغـ.ـوط على النظام السوري والروس.

في السابق كانت الولايات المتحدة تستطيع أن تطمئن قليلاً لوجود خـ.ـلافات بين روسيا وتركيا، لكن مع وصول البلدين لتفاهمات كبيرة لم ترتح لها الولايات المتحدة بات على واشنطن أن تتحرك، وهو ما بدأت بفعله.

يمثّل إقرار قانون قيصر في الكونغرس الأمريكي ثم مصادقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أهم خطوة في هذا التحرك، إذ أن القانون لن يمكن أمريكا من محـ.ـاسبة نظام الأسد فقط، بل كذلك سيمكنها من الضغـ.ـط على روسيا وإيران بوصفهم داعمين له.

اقرأ أيضاً:

تحـ.ـدّى الخليفة معاوية وعزل والياً وأعاده دون كلام.. الأحنف بن قيس “أحلم العرب” الذي دعا له الرسول وأعجب به “الفاورق عمر”

ويقــ.ـطع قانون “قيصر” الطريق على دول الخليج العربي التي كانت تحاول مؤخراً إعادة العلاقات مع نظام الأسد، فقد أعادتها الإمارات والبحرين بالفعل، وكذلك مصر، وكان هناك حديث عن عزم السعودية إعادة سفيرها.

غير قانون قيصر، تحاول أمريكا أن لا تبقى وحيدة في سوريا، وذلك عبر إدخال السعودية ومصر معها، وتنفيذا لذلك أرسلت قبل أيام قليلة مهندسين سعوديين ومصريين إلى حقل العمر النفطي في دير الزور بعد الحديث عن استثمار لشركة النفط السعودية الحكومية “أرامكو” هناك.

وتبع ذلك إرسال قوات سعودية إلى الحقل من أجل تأمين عمل المهندسين السعوديين والمصريين، وهي خطوة بالتأكيد مفيدة لواشنطن المتواجدة هناك، وغير مرحب بها من قبل أنقرة التي ليست على وفاق مع السعوديين والمصريين، والذين اتخذوا تلك الخطوة في الغالب تكـ.ـاية بأنقرة.

إذاً بعد قانون قيصر، وإدخال قوات أخرى أكثر “ولاء” من الأوروبية وترقى لدرجة “التبعية” إلى جانبها في سوريا، تعمل الولايات المتحدة على تثبيت نفوذها، وإرسال رسالة مفادها أن تفكير الأسد في إخـ.ـراجنا من سوريا قد يؤدي لخروجه هو من الحكم، سواء عبر “قيصر” ونتائجه الاقتصادية التي ستجعل من نظام الأسد عبرة، أو عبر طرق أخرى تجيد الولايات المتحدة استخدامها جيداً إن أرادت، مثل ما فعلت في العراق مع صدام حسين، أو مثل ما فعلت في ليبيا مع نظام معمر القـذافـي.

تجدر الإشارة إلى أن بيان وزارة الخارجية الأمريكية الذي يتحدث عن العدل وأهمية محـ.ـاسبة نظام الأسد ليس سوى محاولة لإظهار القرارات الأمريكية التي تخدم مصالح واشنطن بوصفها قرارات اتخذت من أجل العدالة والشعب السوري الذي ترك بمفرده منذ تسع سنوات بتوافق عالمي ودولي.

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق