بـ30 ألفاً انتصر على 100 ألف لم يبقى منهم سوى العشرات وملك بلا ساق.. القائد يوسف بن تاشفين باني مراكش ومؤخّر سقـ.ـوط الأندلس لقرون بالـ”الزلاقة”

مدى بوست -فريق التحرير

تحدثنا في مقالٍ سابق، عن القائد البطل موسى بن النصير ودخوله إلى بلاد الشمال الإفريقي، ومن ثم اختياره للقائد طارق بن زياد لفتح الأندلس، وقد كان طارق بن زياد أمازيغياً من “البربر”.

تذكر المصادر التاريخية أن الأمازيغ “البربر” من القوميات التي اعتزت بالإسلام وعُز بها في الكثير من المواضع، وكان منهم الكثير من القادة الشرفاء والأبطال، منهم طارق بن زياد، وكذلك منهم الأمير يوسف بن تاشفين “أبو يعقوب”، وهو محل قصّتنا اليوم.

بداية ظهور يوسف بن تاشفين 

ولد يوسف بن تاشفين في عام 400 للهجرة، في المنطقة الواقعة بالمثلث الحدودي بين المغرب والجزائر وموريتانيا، وقد نشأ على حب الجهـ.ـاد والرباط، حسبما يذكر المؤرخ بن خلكان. 

بعد الفتح الإسلامي لبلاد الشمال الإفريقي بعدة قرون، وفي القرن الرابع للهجرة، انتشـ.ـر الفساد في دولة المغرب لدرجة أن كاهنة أصبحت هي من تحكم البلاد، ونسوا ذكر الله، وعادت عبادة الأوثان لبعض تلك المناطق.

بدأ بسبب ذلك ظهور حركة إسلامية اسمها “حركة المرابطين”، وكان الهدف منها إعادة الدعوة إلى الله في الشمال الإفريقي، وبدأت جماعة صغيرة ثم ما لبثت أن كثر أتباعها واتبعتها الكثير من القبائل الأمازيغية والساكنة للمغرب وباتت تعرف باسم دولة المرابطين.

في عام 454 للهجرة، انضم للجماعة رجل يدعى “يوسف بن تاشفين” ولم يكن معروفاً حتى هذا الوقت، وقد كانت الجماعة تتبع المذهب المالكي حسبما يقال.

رحل قائد الجماعة الأول الشيخ عبد الله بن ياسين، وانتقلت قيادتها لرجلٍ يدعى “أبو بكر عمر اللمتوني” في نفس العام الذي دخل فيه يوسف بن تاشفين للجماعة، وكانت تلك الجماعة تتخذ من مثلث صغير قرب موريتانيا والسينغال مقراً لها وأراضٍ لها، ولم يكن عدد أتباعها سوى بضع آلاف.

حدثت معـ.ـارك بين بعض القبائل القريبة من المرابطين، فذهب أبو بكر عمر اللمتوني وأصلح بين تلك القبائل، وترك يوسف بن تاشفين أميراً على الجماعة قبل مسيره.

وفي طريق عودة أبو بكر رأى قوماً من إحدى القبائل يدورون حول الأشجار، فسألهم ما يفعلون، فقالوا له نعبد إلهنا، ونحن قوم نعبد الشجر، فدعاهم إلى الإسلام وتحدث لهم عنه، فأعجبهم ودخلوا بالإسلام، ثم أخبروه أن القرى والقبائل القريبة منهم لا يعرفون شيئاً عن الإسلام وكذلك يعبدون الأوثان والأشجار وغيرها من دون الله.

رسم تخيلي للقائد يوسف بن تاشفين في الزلاقة

يوسف بن تاشفين يبني مراكش

أرسل أبو بكر ليوسف بن تاشفين وأخبره أن مقامه سيطول بعيداً عن أرض الجماعة هو ومن معه من الفرسان الذين يواصلون الفتوحات، وأوصاه بها خيراً، ثم بدأ مسيرته الدعوية لتلك القرى والقبائل، ويقال أنه قام بتطـ.ـليق زوجته وزوجها ليوسف بن تاشفين، وأمضى  اللمتوني أكثر من 15 سنة والحال على ما هو عليه في الدعوة، ثم قرر أن يعود لدولة المرابطين.

ما إن عاد لم يجد جماعته في مكانهم، فسأل عنهم، فقالوا له أنت الآن في دولة المرابطين، وقد باتت عاصمتها مراكش، حيث كان يوسف بن تاشفين قد وحد القبائل وأقام دولة، واشترى أرضاً شمال غربي مدينة آغمات وبنى عليها مدينة كانت هي بداية مدينة مراكش.

اقرأ أيضاً: معاوية بن أبي سفيان : أشهر دهاة العرب وأحلمهم، من كُتاب الوحي ودعا له النبي ﷺ: “اللهم اجعله هاديًا مهديًا”

لما التقى اللمتوني بيوسف بن تاشفين، تنازل له عن الحكم، وقال له ” أنت أخي وابن عمي، ولم أجد من يقوم بأمر المغرب غيرك ولا أحق منك به، وأنا ليس لي غنى عن الصحراء، وما جئت إلا حتى أسلم الأمر إليك، وأهادنك في بلادك، وأعود للصحراء مقر إخواننا ومحل سلطاننا” وهو ما كان.

في تلك الأثناء، كانت الأمور في الأندلس خارجة عن السيطرة، وكانت مقسمة لحوالي 23 دولة في مرحلة ما عرف بـ” ملوك الطوائف”، وقد كانوا جميعاً يحاولون الاستفراد بالحكم، وقد استفاد ملك قشتالة ألفونسو السادس من ذلك، فبدأ يعين حاكماً على آخر ويتوسع على حسابهم.

إلى أن وصل الحال، وأصبح حكام الممالك المسلمة يؤدون الجـ.ـزية لملك قشتالة ألفونسو السادس الذي كان قد استـ.ـولى على طليطلة، وهو ما أثار غـ.-ضباً بين المسلمين في الأندلس، حتى وصل رسله في يوم من الأيام لحاكم قرطبة وإشبيلية المعتمد بن عبّاد يريدون منه الجـ.ـزية فقام بقتـ.ـلـ.ـهم.

جامع ومدرسة ابن يوسف في مراكش المغربية تخليداً لذكرى يوسف بن تاشفين

ملوك الأندلس المسلمون يستدعون يوسف بن تاشفين 

توجه ألفونسو السادس على وجه جيشٍ كبير وأراد أن يدخل إشبيلية مثل ما كان الحال في طليطلة، فاجتمع ملوك الطوائف وتناقشوا بأمر الإرسال ليوسف بن تاشفين أمير المرابطين وكان بعضهم يقبل وبعضهم لا يريد، وذلك بعد أن توحدت كلمة ملوك إسبانيا وفرنسا والبرتغال على طـ.ـرد المسلمين من الأندلس على إثر سقـ.ـوط طليلطلة، وعدم قبول ملوك الطوائف دفع الجـ.ـزية، فتم تحالف بينهم على طـ.ـرد المسلمين.

سار جيش التحالف الذي يمثل الممالك الصليبية إلى الأندلس، وبدأ بالاستـ.-يلاء على قرى المسلمين واحدة تلو الأخرى حتى وصلوا ضواحي إشبيلية التي كان يحكمها المعتمد، وحـ.ـاصـ.ـروا قلعة سرقسطة.

عندما خـ.ـاف المسلمون على سرقسطة، أرسل 13 أميراً منهم وعلى رأسهم المعتمد بالله رسالة لأمير دولة المرابطين يوسف بن تاشفين يطالبوه بالإسراع إليهم ونجدتهم، بعد أن شرحوا له الحال وما كان من جيوش الصليبيين. 

ويحكى أن أحد أبناء المعتمد بالله قال له إن استدعيت يوسف بن تاشفين فذاك نهاية ملكنا، فأجابه بمقولة ما زالت خالدة حتى اليوم ” إن رعاية إبل بن تاشفين أحب إلي من رعاية خنازير ألفونسو”.

وكان من الرسائل المرسلة من المعتمد بن عباد ليوسف بن تاشفين، أن دعاه لنصرته، وقال له :” إن كنت مؤثراً للجهــاد فهذا وقته، فقد حرج الأذفونش إلينا فأسرع بالقدوم”.

لما وصل لألفونسو أن المسلمين استعانوا بأمير دولة المرابطين يوسف بن تاشفين، أرسل له رسالة يقول فيها إن لم يكن باستطاعتك أن تعبر البحر فابعث إلي عندك من المراكب أقدم إليك، وأناظرك في أحب البقاع عندك، فإن انتصرت علي فتلك غنيمة جلبت إليك، ونعمة مثلت بين يديك، وإن انتصرت عليك كانت لي اليد واستكملت الإمارة.

فرد يوسف بن تاشفين على تلك الرسالة برسالة خيّره فيها بين الإسلام، أو دفع الجـ.ـزية، أو القـ.ـتـ.ـال، ولما وصلت الرسالة لألفونسو، غضـ.ـب وألقاها على الأرض، وقال للرسول، اذهب وقل لمولاك نلتقي في ساحة الحـ.ـرب.

بعد أخذ ورد في الرسائل بين الأمير يوسف بن تاشفين وملك قشتالة ألفونسو السادس، اقترب موعد اللقاء، فركب يوسف بن تاشفين البحر في عام 497 للهجرة، وهو في السفن خرجت عليهم ريح قوية، فدعا ربه بدعاء استخارة قال فيه :” اللهم إن كنت تعلم أن في جوازنا هذا خيراً للمسلمين فسهله علينا، وإن كان غير ذلك فصعـ.ـبه حتى لا أجوز البحر”، وتم الانتقال ليوسف بن تاشفين.

وصل يوسف بن تاشفين إلى الأندلس وكان عمره 77 عاماً، ونزل في الجزيرة الخضراء التي قام المعتمد بن عباد بتحصينها وأعطاها ليوسف بن تاشفين ليقيم فيها مع جنده، ويجعلها قاعدة خلفية لجنده، والتقى يوسف بن تاشفين هناك بالمعتمد بن عباد والمتوكل بن الأفطس حاكم بطليوس، وبدأ التخطيط لوضع الخطـة لمـ.ـواجهـ.ـة ألفونسو السادس.

ويحكى أن يوسف بن تاشفين لما وصل الأندلس كان بصحبته 7 آلاف من فرسان المرابطين فقط، وبقية الجيش كان من أهل الأندلس وجيوش ملوك الطوائف.

كانت خطة يوسف بن تاشفين مقتبسة عن خطة الصحابي الجليل خالد بن الوليد والتي نفذها في “الولجة” بفتوحات الفرس، حيث قسّم الجيش لثلاث فرق، هي المقدمة بقيادة المعتمد وتضم 15 ألف مسلم والفرقة الثانية خلفها وتضم 11 ألف فارس بقيادة يوسف بن تاشفين، ثم الفرقة الرابعة من المهرة وتضم 4 آلاف.

“الزلاقة”.. المعـ.ـركـ.ـة التي أخرت سقــ.ـوط الأندلس 4 قرون 

في يوم الإثنين 12 رجب سنة 479 للهجرة، التقى جمع المسلمين المكون من 30 ألفاً، وفقاً للخطة التي وضعها يوسف بن تاشفين والمقتبسة عن خالد بن الوليد، وجيش الصليبيين المكون من 80 لـ 100 ألف فارس يقودهم ألفونسو في سهل “الزلاقة”، وقد سميت المعـ.ـركـ.ـة باسم السهل.

كانت تلك المعـ.ركة بمثابة ضـ.ـربة قوية للصليبيين هناك، فقد تمكن جيش المسلمين من القضـ.ـاء على جيش ألفونسو السادس والمتحالفين معه بشكلٍ شبه كامل، وتذكر المصادر التاريخية أن الذين نجحوا بالفـ.ـرار من الـ 100 ألف فارس هم حوالي 500 فقط بصحبة ألفونسو الذي أصـ.ـيب بقدمه وتم بتـ.ـرهـ.ـا لاحقاً.

وذُكر في كتاب “اعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام” للسان الدين بن الخطيب، وصفاً لمشهد هـ.ـروب ملك قشتالة ألفونسو السادس، فقيل :” فارًّا لا يُهــدى ولا ينام ومـ.ـات من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطريق 400، فلم يدخل طُلَيْطِلَة إلا 100 فارس، والحمد لله على ذلك كثيرًا، وكانت هذه النعمة العظيمة والمنة الجـ.ــسيـ.ـمة».

فيما ذكر  ابن خلكان في كتاب «وفـيـ.ـات الأعيان» عن غنائم الزلاقة فقال :«فلما حصلت عفّ عنها يوسف بن تاشفين، وآثر بها ملوك الطوائف، وعرَّفهم أن مقصوده إنما كان الغـ.ـزو والجهـ.ـاد، لا الغنائم»، بحسب تقرير لموقع “ساسة بوست“.

وبعد انتهاء الزلاقة وأفـ.ـول خطر ألفونسو، تلقى يوسف بن تاشفين نبأ وفـ.ـاة ابنه وولي عهده أبي بكر فقرر العودة  للمغرب.

فذهب إلى  إشبيلية واستراح أيامًا، ثم عبر إلى المغرب وترك من جنده 3 آلاف تحت تصرف المعتمد بن عبّاد.

صورة تظهر موقع الزلاقة الذي شهد نصر يوسف بن تاشفين على ألفونسو

عودة يوسف بن تاشفين إلى الأندلس

ويحكى أن يوسف بن تاشفين عاد بعد الزلاقة ثلاث مرات من أجل الدفاع عن الأندلس من ألفونسو الذي حاول الانتقـ.ـام من ملوك الطوائف لتعاونهم مع يوسف.

اقرأ أيضاً: اعتماد الرميكية وحبّ المعتمد بالله لها الذي بدأ ببيت شعر وانتهى لدى يوسف بن تاشفين في أغمات

وكانت المرة الأخيرة التي عبر فيها يوسف بن تاشفين للأندلس في عام 496 للهجرة، وكان الهدف حمـ.ـايتها من الحملات الصليبية والتي كانت تقصد مدينة بلنسية، حتى تـ.ـوفي في سنة 500 للهجرة عن عمرٍ ناهز 100 عام.

وبعد حوالي 4 قرون من الزلاقة، التي قادها القائد العظيم يوسف بن تاشفين، وقع آخر ملوك الأندلس أبي عبد الله الصغير معاهدة الاستسـ.-لام مع الملكين الصليبيين فريناند وإيزابيلا، ليعلن عن انتهاء الوجود الإسلامي في شبه الجزيرية الإيبيرية ودولة الأندلس.

وقد استمر تقدم الصليبيين بعد غرناطة والأندلس، حتى ذهبوا لشمال أفريقيا وسيطـ.ـروا على عدة مواقع منها مدينتي سبتة ومليلية المغربية، كما وصلوا للسواحل الجزائرية.

وليوسف بن تاشفين الكثير من الحكايات التي لا يمكن تلخيصها في مقالٍ واحد، أشهره قصته مع المعتمد بن عباد والتي سنستعرضها في تقريرٍ لاحق.

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق