المغيرة بن شعبة: قصة إسلام داهية العرب الثالث، ودهائه في ولاية البحرين والزواج

المغيرة بن شعبة: قصة إسلام داهية العرب الثالث، ودهائه في ولاية البحرين

مدى بوست – فريق التحرير

المغيرة بن شعبة، واحد من كبار الصحابة وداهية العرب الثالث، شهد معركة اليمامة وفتوح الشام والعراق، كان من أولي الشجاعة والمكيدة والدهاء، وكان يُقال له مغيرة الرأي.

كان المغيرة ضخم القامة، عَبْل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، أصهب الشعر جعده، وكان لا يفرقه. وكان من رواة الحديث، له في “الصحيحين” اثنا عشر حديثًا، وانفرد له البخاري بحديثٍ، ومسلم بحديثين.

من كلماته التي ظلت خالدة في التاريخ الإسلامي: “اشكر من أنعم عليك، وأنعم على من شكرك؛ فإنه لا بقاء للنعم إذا كفرت، ولا زوال لها إذا شكرت”.

دُهاة العرب الأربعة

دهاة العرب أربعة، هم: أدهى دهاة العرب وأشدهم ذكاء عمرو بن العاص، ثم معاوية بن أبي سفيان، ثم المغيرة بن شعبة ثم زياد بن أبي سفيان.

اقرأ أيضًا: معاوية بن أبي سفيان : أشهر دهاة العرب وأحلمهم، من كُتاب الوحي ودعا له النبي ﷺ: “اللهم اجعله هاديًا مهديًا”

ولي خليفة المسلمين الثاني الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عمرو بن العاص على مصر، ومعاوية بن أبي سفيان على الشام، والمغيرة بن شعبة على البحرين، فكرهه أهلها، فعزله الفاروق ثم ولاه البصرة.

من هو المغيرة بن شعبة؟

هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف “الثقفي”. يُكنى بـ “أبو عيسى”، ويُقال له “أبو عبد الله”، ولد في ثقيف بالطائف ونشأ بها، أسلم عام الخندق.

قال عنه الطبري: كان لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجًا ولا يلتبس عليه أمران إلا أظهر الرأي في أحدهما”. وقال عنه الحافظ الذهبي: “من كبار الصحابة، أولي الشجاعة والمكيدة، شهد بيعة الرضوان، كان رجلا طِوالاً، مهيبًا، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل يوم القادسية”. توفي في الكوفة عن عمر يناهز 70 سنة.

قال عنه أحد أصحابه، واصفًا دهاءه: “صاحبت المغيرة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبوابٍ، لا يُخرج من بابٍ واحد إلا بمكر ودهاء، لخرج المغيرة من أبواها الثمانية كلها”.

إسلام المغيرة بن شعبة

قبل إسلام المغيرة بن شعبة كان قد قتل ثلاثة عشر مشركًا كانوا قدموا من الإسكندرية بهدايا من المقوقس (حاكم مصر)، وجاء بها لرسول الله صل الله عليه وسلم، ليرى فيها رأيه، فهي غنيمة من المشركين، فقبل الرسول إسلامه وردّ هذه الهدايا التي أخذت بالغدر.

روى الواقدي، عن محمد بن يعقوب بن عتبة، عن أبيه، وعن جماعة قالوا: قال المغيرة بن شعبة: 

“كنَّا متمسِّكينَ بدينِنَا ونحن سَدَنَةَ اللَّاتِ، فأُرَاني لو رأيتُ قومنا قد أسلموا ما تَبِعتهم، فأجمع نفرٌ من بني مالك الوفودَ على المقوقس (حاكم مصر)، وإهداء هدايا له، فأجْمَعْتُ الخروج معهم، فاستشرت عمي عروة بن مسعود، فنهاني، وقال: ليس معك من بني أبيك أحد.

فَأَبَيْتُ، وَسِرْتُ معهم، وما معهم من الأحلاف غيري؛ حتى دخلنا الإِسكندرية، فإذا المقوقس في مجلسٍ مُطِلٍّ على البحر، فركبتُ زَوْرَقًا حتى حاذيتُ مجلسَه، فأنكرني، وأمر من يسألني، فأخبرته بأمرنا وقدومنا.

فأمر أن ننزل في الكنيسة، وأجرى علينا ضيافةً، ثم أدخلنا عليه، فنظر إلى رأس بني مالك، فأدناه، وأجلسه معه، ثم سأله: أَكُلُّكم من بني مالك؟

قال: نعم، سوى رجلٍ واحدٍ.

فعرَّفه بي، فكنت أهونَ القوم عليه، وَسُرَّ بهداياهم، وأعطاهم الجوائز، وأعطاني شيئًا لا ذكر له.

وخرجنا، فأقبَلَت بنو مالكٍ يشترون هدايا لأهلهم، ولم يعرض عليَّ أحدٌ منهم مواساة، وخرجوا، وحملوا معهم الخمر، فكنَّا نَشرب.

فأجمعت على قتلهم، فتمارضتُ، وعصبت رأسي، فوضعوا شرابهم، فقلت: رأسي يُصَدَّعُ، ولكني أسقيكم.

فلم يُنكروا، فجعلت أصرف لهم (أي يسقيهم الخمر صرفًا من غير مزج بالماء)، وأُتْرِعُ لهم الكأس، فيشربون ولا يدرون، حتى ناموا سُكْرًا، فَوَثَبْتُ، وقتلتُهم جميعًا، وأخذتُ ما معهم.

فقدمتُ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأجده جالسًا في المسجد مع أصحابه، وعليَّ ثيابُ سَفَرِي، فسلَّمتُ، فعرَفني أبو بكر رضي الله عنه.

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلإِسْلاَمِ».

قال أبو بكر رضي الله عنه: أَمِنْ مِصر أَقْبَلْتم؟

قلتُ: نعم.

قال: ما فعل المالكيون؟

قلت: قتلتُهم، وأخذتُ أسلابَهم، وجئتُ بها إلى رسول الله لِيَخْمُسَهَا.

فقال النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَمَّا إِسْلَامُكَ فَنَقْبَلُهُ، وَلَا آخُذُ مِنْ أَمْوَالِهِم شَيْئًا، لأَنَّ هَذَا غَدْرٌ، وَلَا خَيْرَ فِي الغَدْرِ».

فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، وقلت: إنما قتلتُهم وأنا على دين قومي، ثم أسلمت الساعة.

قال: «فَإِنَّ الإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ»”.

ولاية المغيرة على البحرين وحكايته مع أهلها

ولى الفاروق عمر بن الخطاب المغيرة بن شعبة ولاية البحرين (تشمل المنطقة الساحلية من الجزيرة العربية”، فكرهه أهلها، فعزله عمر، فخافوا أن يعود للولاية من جديد، خاصةً وأن الفاروق يحبه، فعزموا على أن يوقعوا بينه وبين عمر بن الخطاب، من خلال اتهامه بالخيانة.

 قال أحد كبراء البحرين: “إن فعلتم ما آمركم، لم يرده علينا”.

قالوا: “مُرنا”.

قال: “تجمعون مائة ألف حتى أذهب بها إلى عمر، فأقول: إن المغيرة اختان هذا، فدفعه إليَّ”. (يقصد أن المغيرة سرق مائة ألف من بيت مال المسلمين ودفعها إليه”

فجمعوا له مائة ألف، وأتى عمرَ، فقال ذلك.

فدعا عمرُ المغيرةَ، فسألَه، قال: “كَذَبَ -أصلحكَ الله-، إنما كانت مائتي ألف”. (لم ينكر السرقة، وورطه بدهائه بمائة ألف أخرى”

قال عمر: “فما حملك على هذا؟”

فقال المغيرة: “العيال والحاجة”.

فقال عمر للرجل: “ما تقول؟”

قال: “لا والله لَأَصْدُقَنَّكَ؛ ما دفع إليَّ قليلًا ولا كثيرًا”. (اعترف الرجل بأنه كاذب ولم يسرق المغيرة لا مائة ولا مائتين”

فقال عمر للمغيرة: “ما أردتَ إلى هذا؟”

فقال المغيرة: “الخبيث كذبَ عليَّ؛ فأحببتُ أن أخزيَه”.

دهاء المغيرة في الزواج

أراد المغيرة أن يتزوج، وذكرت له فتاة جميلة، فذهب ليخطبها، فوجد أنها خُطبت لشابٍ جميل، وكان المغيرة كبيرًا في السن، فشعر انه فرصته في زواج هذه الفتاة قليلة.

اقرأ أيضاً: أدرك الرسول ﷺ وكاد يسلّمه لقريش قبل تبشيره بـ”سواري كسرى”.. قصّة إسلام الصحابي سراقة بن مالك وحكايته مع الفاروق عمر

وقعت الفتاة في حيرة بين الشاب الجميل والتاجر الغني، فقررت أن تسمع منهما، فاجتمع الشاب والمغيرة يتحدثان، بينما الفتاة تستمتع إليهما.

سأل المغيرة الشاب سؤالًا: “يا أخي.. كيف أنت في العد والحساب؟”

فأراد الشاب أن يُظهر براعته في الحساب، فقال: “لا أدع مثقال ذرة إلا واحصيه”

أما المغيرة فقال: “أما أنا فرجل كبير في السن، أضع مالي في صندوق في الدار، فيأخذ منه أهلي وينقص، فلا أعلم عنه حتى ينتهي المال، فأكسب غيره وأضعه، فلا أعلم عنه حتى ينتهي”.

سمعت الفتاة حديث الاثنين، فقالت: “والله إني لأتزوج رجلًا كبيرًا في السن، لا يعلم عن أخذي للمال، خيرُ لي من هذا الشاب الذي يحصي عليّ مثقال الذرة”. وقبلت الفتاة الجميلة المغيرة زوجًا لها.

المغيرة وجسد النبي

أراد المغيرة بن شعبة أن يكون آخر من يلمس جسد النبي صل الله عليه وسلم، فلما دفن النبي صل الله عليه وسلم، جاء المغيرة وبدأ يحثو التراب مع بقية الصحابة ثم خلع خاتمه وألقاه في القبر.

اقرأ أيضاً: عمّ النبي وأخوه بالرضاعة.. قصّة إسلام حمزة بن عبد المطلب وانتقامه من أبو جهل.. سيد الشهداء الذي سبق الفاروق بثلاثة أيام

فقال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: “يا أبا الحسن، إن خاتمي قد سقط في القبر”، فقال علي: “انزل فخذه”. فنزل إلى قبر رسول الله صل الله عليه وسلم، وأخذ خاتمه، ومسح على جسد النبي، فكان آخر الناس عهدًا به.

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق