لازم النبي ﷺ والخلفاء الراشدين الأربعة.. عبد الله بن عباس الصحابي الصغير الفطن الذي دعا له الرسول مرّتين ولقب بـ”ترجمان القرآن والبحر وحبر الأمة”

عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله وقصصه مع الخلفاء الراشدين ومع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

مدى بوست – فريق التحرير

عبد الله بن عباس، حبر الأمة وترجمان القرآن، ملازم النبي صلى الله عليه وسلم، ومستشار خلفاءه الراشدين، كان يُسَمَّى “البحر”؛ لسعة علمه، “والحبر”؛ لحدة فهمه. يُعرف بأنه فقيه العصر وإمام التفسير.

كان من الصحابة المكثرين في رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى رضي الله عنه قرابة 1660 حديث، كان النبي يدعو له بالقول: “اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل”، وكان إذا حضر قال عن الفاروق: “جاء فتى الكهول، وذو اللسان السئول، والقلب العقول”.

نسب ومولد عبد الله بن عباس

هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي الهاشمي، أبو العباس، الحبر البحر، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو الخلفاء. أمُّه أمُّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلاليَّة، وهو ابن خالة خالد بن الوليد رضي الله عنه.

عبد الله بن عباس
تعبيرية

ولد في مكة في شعب أبي طالب قبل الهجرة النبوية بثلاث سنوات، وهاجر مع أبيه العباس بن عبد المطلب قبيل فتح مكة فلقوا النبي محمدًا بالجحفة؛ وهو ذاهب لفتح مكة، فرجعا وشهدا معه فتح مكة.

كان ابن عباس جميلًا أبيضًا طويلًا، مشربًّا صُفرة، جسيمًا وسيمًا صبيحَ الوجه فصيحًا، وكان كثيرَ البُكاءِ. له من الأولادِ العباسُ والفضلُ ومحمدٌ وعبيدُ الله وعليٌّ ولُبابةُ وأسماء رضي الله عنهم.

شهد غزوة حنين وغزوة الطائف، ولازم النبي وروى عنه، ودعا له النبي قائلًا: “اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل”، وقال أيضًا: “اللهم علمه الكتاب، اللهم علمه الحكمة”، توفي النبي وعمره ثلاث عشرة سنة، فكان يفسّر القرآن بعد وفاة النبي، حتى لُقِّب بـ حّبر الأمة وترجمان القرآن، والحبر والبحر.

عبد الله بن عباس وحرصه على أحاديث النبي

رغم صغر سن ابن عباس، فقد لازم النبي، وحفظ عنه قرابة 1660 حديث شريف، إلى جانب الكثير من الأحاديث التي حفظها عن الصحابة، فكان إذا سمع أن هناك حديثًا يحفظه أحد الصحابة، ذهب إلى بيته، ولزمه حتى يأخذ عنه الحديث الذي أخذه هو عن النبي محمد صل الله عليه وسلم.

وجاء عن ابن عباس رضي الله، عنه أنه كان يجمع بين الأمرين، الحياء بتوقير العلماء، والحياء في ترك السؤال فيما يحتاجه، فيقول: “إنه رأى رجلاً سمع عنده حديثًا لرسول الله، وخرج الرجل من المسجد بعد صلاة الظهر، يقول ابن عباس : فتبعته واستحييت أن أوقفه في الطريق، ومضيت خلفه لعله إن وصل بيته يلتفت وراءه فيراني، 

قال: فولج البيت ولم يلتفت ورد الباب، فجلست عند الباب أنتظر خروجه أو خروج صبية له، فلم يخرج أحد، وأخذ التراب يسفي عليه فتغطى بردائه، إلى أن خرج الرجل لصلاة العصر، 

فوجده فقال: ابن عباس ابن عم رسول الله على باب بيتي! هلاّ آذنتني فأتيتك، قال: العلم يؤتى إليه ولا يأتي، ما حاجتك يا ابن عم رسول الله؟! قال: حديث سمعته عنك هو كذا وكذا، قال: نعم”.

عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن

كان ابن عباس ملازم للبني صل الله عليه وسلم، وفي رواية الحاكم في “المستدرك” أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في بيت ميمونة رضي الله عنها فوضعت له وضوءً، فقالت له ميمونة: وضع لك عبد الله بن العباس وضوءً، فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».

وعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: «دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤتيني الله الحكمة مرتين». فكان يسمى الحبر والبحر لكثرة علمه، وحدة فهمه.

اقرأ أيضاً: حضر اليرموك.. قصة إسلام الصحابي أبو سفيان بعد 20 عاماً من الكِبَر.. وهذا ما دار بينه وبين النبي ﷺ!

 عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: “كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب ونائل، وما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولا أعلم بقضاء أبي بكر، وعمر، وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه،

ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القران ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أعلم بما مضى، ولا أثقب رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يومًا ما يذكر فيه إلا الفقه، ويومًا التأويل، ويومًا للمغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيام العرب، وما رأيت عالمًا قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلًا قط سأله إلا وجد عنده علمًا”.

عبد الله بن عباس وملازمة النبي

حرص ابن عباس على ملازمة رسول الله صل الله عليه وسلم، والتعلم على يديه ما يستطيع من الحديث الشريف والقرآن وتعاليم الدين الإسلامي.

عن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: أمرني العباس رضي الله عنه قال: “بتُّ بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فانطلقتُ إلى المسجد، فصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة حتى لم يبقَ في المسجد أحدٌ غيره، قال: ثم مرَّ بي، فقال: «من هذا؟» فقلت: عبد الله، قال: «فمه» قلت: أمرني أبي أن أبيت بكم الليلة، قال: «فالحق». 

فلمَّا دخل، قال: «افرشوا لعبد الله» قال: فأتيت بوسادةٍ من مسوح، قال: وتقدم إلي العباس أن لا تنامنَّ حتى تحفظ صلاته، قال: فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنام حتى سمعت غطيطه، قال: ثم استوى على فراشه فرفع رأسه إلى السماء فقال: «سبحان الملك القدوس» ثلاث مرَّات، ثم تلا هذه الآية من آخر سورة آل عمران حتى ختمها {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190]، 

ثم قام فبال، ثم استنَّ بسواكه، ثم توضَّأ ثم دخل مصلَّاه فصلَّى ركعتين ليستا بقصيرتين ولا طويلتين، قال: فصلَّى ثم أوتر فلمَّا قضى صلاته سمعته يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَاجْعَلْ عَنْ يَمِينِي نُورًا، وَاجْعَلْ عَنْ شِمَالِي نُورًا، وَاجْعَلْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ أَسْفَلَ مِنِّي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي يَوْمَ لِقَائِكَ نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا»”.

وكان ابن عباس رضي الله عنه من الغلمان المحببين والمقربين للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد حظي باهتمام كبير في صغره منه صلى الله عليه وسلم، وقد أثر ذلك بالطبع على بناء شخصيته وتكوين فكره وعلمه.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنه ركب خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده تجاهك. وإذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف”.

بن عباس والخلفاء الراشدين

لازم ابن عباس الخلفاء الراشدين الأربعة، فكان خليفة المسلمين الأول أبو بكر الصديق يستشيره، وكذلك فعل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، الذي قال عن ابن عباس: “ذلك فتى الكهول، له لسان سئُول، وقلب عقول”، فكان إذا واجهته معضلة، دعا الصحابة ومن بينهم ابن عباس رغم صغر سنه.

ولاه خليفة المسلمين الثالث عثمان بن عفان إمامة الحج في أخطر لحظات حياته، لما حُصِرَ في بيته، أما خليفة المسلمين الرابع علي بن أبى طالب فجعل ابن عباس واليًا على البصرة.

عبد الله والفاروق عمر بن الخطاب

كان عمر بن الخطاب يُجلس ابن عباس -رغم صغر سنه مع كبار الصحابة ليستشيرهم، فوجد الصحابة في أنفسهم شيء تجاه هذا الأمر، فطالبوا الفاروق أن يُجلس أبنائهم أيضًا، وعن ذلك يروي ابن عباس:

اقرأ أيضاً: زلزل عروش ملوك الأرض في زمانه.. قصة الفاروق عمر بن الخطاب الذي قصد النبي ﷺليثأر لخاله أبو جهل من حمزة فأسلم بعده بثلاثة أيام!

روى الإمام البخاري عن ابن عباس قال: “كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ 

فقال: إنه من علمتم! 

فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم، قال: فما رأيتُ أنه دعاني إلا ليُريهم، 

فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ [النصر: 1] ؟ 

فقال بعضهم: أُمرنا بأن نحمد الله ونستغفره إذا نُصرنا وفُتح علينا، وسكَت بعضهم فلم يقل شيئًا، 

فقال لي: أكذا تقول يا ابن عباس؟ 

قلت: لا، 

قال: فما تقول؟ 

قلت: هو أجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلَمه إياه، فقال: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾، فذلك علامة أجلك، ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 3]، 

فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تقول”.

والمقصود هنا أن ابن عباس فسر الآية بمعناها البعيد، وهو دنو أجل النبي صل الله عليه وسلم بعد فتح مكة ودخول الناس في الإسلام، وطلب الله منه أن يكثر من الاستغفار والتسبيح استعدادًا للقاء الله جل وعلا.

اقرأ أيضًا: زلزل عروش ملوك الأرض في زمانه.. قصة الفاروق عمر بن الخطاب الذي قصد النبي ﷺليثأر لخاله أبو جهل من حمزة فأسلم بعده بثلاثة أيام!

وفاة عبدالله بن عباس

توفي ابن عباس رضي الله عنه سنة ثمان وستين بالطائف، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: إحدى وسبعين سنة، وكان قد عَمِيَ في آخِرِ عُمُرِهِ؛ فقال في ذلك: 

إنْ يأخذ الله من عَيْنَيَّ نور   هما ففي لساني وقلبي منهما نور 

قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل   وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثور

تعليقات فيسبوك
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق