خادم النبي ﷺ وحامل اللواء.. قيس بن سعد: قصة الداهية الجواد، أدهى العرب لولا الإسلام

قصة الداهية الجواد قيس بن سعد، أدهى العرب لولا الإسلام

مدى بوست – فريق التحرير

قيس بن سعد صحابي جليل، ابن الصحابي سعد بن عبادة زعيم الخزرج، عُرف عنه الجود والكرم، كما عُرف بدهائه، فكان يقول عنه نفسه: “لولا الإسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب”. 

هو خادم النبي وصاحب لوائه، والذي كان له نصيب من رواية الحديث عنه، وكانت منزلته عند النبي بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، شهد معه الغزوات، وحمل راية المسلمين يوم فتح مكة، فما هي قصة هذا الصحابي الداهية الكريم؟

نسب ونشأة وصفات قيس بن سعد 

خادم النبي وحاجبه وصاحب لوائه الصحابي الجليل سيد الخزرج وابن سيدهم الصحابي ابن الصحابي قيس بن سعد بن عبادة بن دُلَيْمٍ بن حارثة الساعدي الخزرجي الأنصاري. 

قيس بن سعد
تعبيرية

من بيت زعامة عظيم، ورث المكارم كابرًا عن كابر، فهو ابن الصحابي سعد بن عبادة زعيم الخزرج، وأمه فكيهة بنت عبيد بن دليم الخزرجية، فهو سلسل بيت من أعرق بيوت العرب وأجودها، وهو بيت دليم بن حارثة، أكرم العرب. 

كنية سعد: أبو الفضل، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو عبد الملك.

قال عمرو بن دينار: “كان قيس بن سعد رجلًا ضخمًا، جسيمًا، صغير الرأس، ليست له لحية، إذا ركب حمارًا خطت رجلاه الأرض، فقَدِمَ مكة، فقال قائل: من يشتري لحم الجزور”، وكان ليس فِي وجهه لحية ولا شعرة، فكانت الأنصار تقول: “وددنا أن نشتري لقيس لحيةً بأموالنا”. وكان مع ذلك جميلًا.

كان الأنصار يعاملون قيس كزعيم منذ حداثة سنه، لذلك قالوا: “لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا”، ذلك أنه كان أجردًا، ولم يكن ينقصه من صفات الزعامة في عرف قومه سوى اللحية، التي كان الرجال يتوِّجون بها وجوههم.

إسلام قيس بن سعد وخدمته للنبي

حين أسلم سعد بن عبادة والد قيس رضي الله عنهما، أخذ بيد ابنه قيس وقدمه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: “هذا خادمك يا رسول الله”.

ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في قيس كل سمات التفوق وأمائر الصلاح، فأدناه منه وقربه إليه، وظل قيس صاحب هذه المكانة دائمًا.

روى الترمذي وأبو نعيم الأصبهاني وغيرهما عدة أحاديث تؤكد خدمة قيس بن سعد رضي الله عنه في بيت النبوة، منها: روى الترمذي وقال الألباني صحيح، عن قيس بن سعد بن عبادة: أن أباه دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخدمه، قال: فأتى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صليت، قال: فضربني برجله، وقال: “ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟”، قلت: بلى، قال: “لا حول ولا قوة إلا بالله”.

وعن ميمون بن أبي شبيب عن قيس بن سعد رضي الله عنه قال: “دفعني أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخدمه”، وقال أبو إسحاق يريم أبو العلاء: “حدثت أن قيس بن سعد خدم النبي صلى الله عليه وسلم”، وعن مريم بن أسعد، قال: “كنت مع قيس بن سعد، وقد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، توضأ ومسح على خفيه”.

وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: “أن قيس بن سعد بن عبادة كان يكون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرط من الأمير”، أي: مما يلي من أموره، فلما كان فتح مكة سنة 8هجريًا كلم سعد النبي صلى الله عليه وسلم في قيس أن يصرفه عن الموضع الذي وضعه، مخافة أن يقدم على شيء، قال: فصرفه.

قال ابن شهاب: “كان حامل راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد بن عبادة”، كما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية يوم فتح مكة، إذ نزعها من أبيه سعد عندما قال: “اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل المحرمة، اليوم أذل الله قريشًا”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله قريشًا”.

ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة، فنزع اللواء من يده، وجعله بيد قيس ابنه، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اللواء لم يخرج عنه، إذ صار إلى ابنه، وأبى سعد أن يسلم اللواء إلا بأمارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمامته، فعرفها سعد، وقيل بل أعطى الراية الزبير بن العوام، وقيل علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

كرم وجود سعد بن قيس

روي أن قيسًا كان في سرية فيها أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، فكان يستدين، ويطعم النَّاس، فتحدَّثا حول جود قيس وسخائه، وقالا: “لو تركنا هذا الفتى لسخائه، لأهلك مال أبيه”، وعلم سعد بن عبادة بمقالتهما عن ابنه قيس، فصاح قائلا: “من يعذرني من أبي قحافة، وابن الخطاب، يبخِّلان عليَّ ابني”. وقوله:  من يعذرني”، أي: “من يقوم بعذري إذا كافأتهما على سوء صنيعهما، فلا يلومني”. 

وعن عروة بن الزبير، قال: “باع قيس بن سعد مالاً من معاوية بتسعين ألفًا، فأمر مناديًا فنادى في أهل المدينة: من أراد القرض، فليأت منزل سعد، فأقرض أربعين أو خمسين وأجاز بالباقي، وكتب على من أقرضه صكًا، فمرض مرضًا قلَّ عوَّاده، فقال لزوجته قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر: “يا قريبة لم ترينَّ قلَّ عُوَّادِي؟!”، قالت: “للذي لك عليهم من الدَّيْن”، فأرسل إلى كل رجل بصكه، وأمر مناديًا ينادي: “من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو له، فأتاه الناس حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إِليه. 

وعن أبي صالح، قال: قسم سعد بن عبادة ماله بين ولده وخرج إلى الشام فمات، وولد له ولد بعده، فجاء أبو بكر وعمر إلى قيس بن سعد، فقالا: إنَّ سعدًا مات، ولم يعلم ما هو كائن، وإنَّا نرى أن ترد على هذا الغلام، قال قيس: “ما أنا بمغيِّر شيئًا فعله أبي، ولكن نصيبي له”.

دهاء قيس بن سعد

كان قيس داهية يتفجر حيلة، ومهارة، وذكاء، والذي قال عن نفسه وهو صادق: “لولا الإسلام لمكرت مكرًا لا تطيقه العرب” ذلك أنَّه حادُّ الذكاء، واسع الحيلة، متوقِّد الذهن. 

وحين كان قيس قبل الإسلام يعامل الناس بذكائه كانوا لا يحتملون منه ومضة ذهن، ولم يكن في المدينة وما حولها إلا من يحسب لدهائه ألف حساب، فلمَّا أسلم، علَّمه الإسلام أن يُعامل الناس بإخلاصه لا بدهائه، ولقد كان ابنًا بارًّا للإسلام، ومِنْ نحى دهائه جانبًا، ولم يعد ينسج به مناوراته القاضية، وصار كلما واجه موقعًا صعبًا يأخذه الحنين إلى دهائه المقيَّد، فيقول: “لولا أنَّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المكر والخديعة فِي النار)، لكنت من أمكر هذه الأمة”. 

ولقد كان مكانه يوم صفين مع أمير المؤمنين علي ضد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، وكان يجلس مع نفسه فيرسم الخدعة التي يُمكن أن يودي بمعاوية وبمن معه في يومٍ أو بعض يوم، بَيْدَ أنَّه يتفحَّص خدعته هذه التي تفتق عنها ذكاؤه فيجدها من المكر السيِّئ الخطر، ثم يذكر قول الله سبحانه: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه} [فاطر: 43]،  فيهبُّ من فوره مستنكرًا، ومستغفرًا، ولسان حاله يقول: “والله لئن قُدِّر لمعاوية أن يغلبنا، فلن يغلبنا بذكائه، بل بورعنا وتقوانا”. 

قال ابن شهاب: “كانوا يعدون دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة رهط، يُقال لهم: ذوو رأي العرب ومكيدتهم: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وقيس بن ســعد بن عبادة، والمغيرة بن شُعْبَة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، فكان قيس وابن بديل مع عليِّ، وكان عمرو مع معاوية، وكان المغيرة معتزلًا في الطائف معتزلا بالطائف وأرضها حَتَّى حكم الحكمان واجتمعوا بأذرح”.

وفاة قيس بن سعد 

بعد مبايعة قيس لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما لزم المدينة المنورة، وأقبل على العبادة حَتَّى مات بها سنة 60هـ، وقيل: سنة 59هـ، في آخر خلافة معاوية رضي الله عنه.

المصادر: 

سير أعلام النبلاء

كتاب الطبقات الكبرى

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق