حليم العرب وأعجوبة زمانه.. الأحنف بن قيس وقصّته مع عمر الفاروق

الأحنف بن قيس : حليم العرب وسيد بني تميم وأعجوبة زمانه

مدى بوست – فريق التحرير

الأحنف بن قيس، سيد بني تميم، يضرب له المثل في الحلم عند العرب، فكانوا يقولون: “في حلم أحنف وذكاء إياس”، تابعي جليل، أسلم في عهد النبي ولم يره، ولكن دعا له بالقول: “اللهم اغفر للأحنف”.

اشتهر الأحنف بحلمه، ولقد عاشت بنو تميم بحلم الأحنف أربعين سنة، وقيل إن رجلاً خاصم الأحنف وقال: لئن قلت واحدة لتسمعن عشرًا، فقال الأحنف: لكنك إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة، فعاش ومات مضربًا للحُلم عند العرب.

نسب وحياة الأحنف بن قيس

الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طانجة بن إلياس بن مضر. اسمه “الضحاك”، وقيل “صخر”، أما “الأحنف” فهو لقب، وشهر بالأحنف لحنف رجليه، وهو العوج والميل.

الأحنف بن قيس
تعبيرية

ولد في البصرة وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يره. وفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين آلت الخلافة إليه، في المدينة، فاستبقاه عمر، فمكث عامًا، وأذن له فعاد إلى البصرة.

شهد الفتوح في تكريت والموصل وكان الأعلم بتلك الناحية فهو عراقي، وشهد فتوح خراسان واعتزل الفتنة يوم الجمل، ثم شهد صفين مع علي بن أبي طالب. ولما انتظم الأمر لمعاوية بن أبي سفيان عاتبه، فأغلظ له الأحنف في الجواب، فسئل معاوية لاحقًا عن صبره عليه، فقال: “هذا الذي إذا غضب غَضَب له مئة ألف لا يدرون فيم غَضِب”.

ولي الأحنف بن قيس على خراسان، وكان صديقًا لمصعب بن الزبير (أمير العراق) فوفد عليه بالكوفة فتوفي فيها وهو عنده.

إسلام الأحنف بن قيس

أسلم الأحنف بن قيس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره، إلا أن الرسول دعا له، يقول الأحنف بن قيس: بينما أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه إذ جاء رجل من بني ليث فأخذ بيدي فقال: ألا أبشرك؟ فقلت: بلى قال: هل تذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومك بني سعد؟ فجعلت أعرض عليهم الإسلام وأدعوهم إليه، فقلت أنت: إنه ليدعوكم إلى خير، وما حسن إلا حسنًا، فبلغت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم اغفر للأحنف”. فقال الأحنف: هذا من أرجى عملي عندي.

قدم الأحنف المدينة في عهد سيدنا عمر بن الخطاب، مما أتاح له مقابلة عدد كبير من كبار الصحابة رضوان الله عليهم ليتعلم منهم ويأخذ عنهم، مما كان له من كبير الأثر في حياته، فتعلم من سيدنا عمر بن الخطاب، وتعلم من علي بن أبي طالب، وجلس مع أبي ذر الغفاري، وأخذ عن عثمان بن عفان، وتعلم من عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

موقف للأحنف بن قيس مع عمر بن الخطاب

أوفد أبو موسى الأشعري وفدًا من أهل البصرة إلى عمر بن الخطاب فيهم الأحنف بن قيس، ولم يكن عمر رأى الأحنف قبل ذلك، فلما دخلوا عليه تكلم كل رجلاً فيهم في خاصة نفسه وكان الأحنف آخر القوم، فقام وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ثم قال: “يا أمير المؤمنين إن أهل الشام نزلوا منازل أهل قيصر، وإن أهل مصر نزلوا منازل فرعون وأصحابه، وإن أهل الكوفة نزلوا منازل كسرى ومصانعه في الأنهار العذبة والجنان الحسنة، وفي مثل عين البعير وأتتهم ثمارهم قبل أن يحصدوا، وإن أهل البصرة نزلوا في سنحة نشاشة لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها، طرفها في بحر أجاج وطرفها بالفلاة لا يأتينا شيء إلا في مثل مدى النعامة، فارفع خسيستنا ولا تفشي وقيصتنا وزد في رجالنا رجالاً وفي عيالنا عيالاً، وأصغر درهمنا وأكبر فقيرنا، ومر بنهر يكرى لنا نستعذب منه”، فقال عمر للقوم: “أعجزتم أن تكونوا مثل هذا، هذا والله السيد” قال الأحنف: فما زالت بعد أسمعها من الناس هذا والله السيد.

اقرأ أيضًا: زلزل عروش ملوك الأرض في زمانه.. قصة الفاروق عمر بن الخطاب الذي قصد النبي ﷺليثأر لخاله أبو جهل من حمزة فأسلم بعده بثلاثة أيام!

حلم الأحنف بن قيس

يُضرب المثل بحُلم الأحنف، ومن المواقف التي تشهد على حُلمه:

قيل عاشت بنو تميم بحلم الأحنف أربعين سنة، وفيه قال الشاعر:

إذا الأبصارُ أبصرتِ ابنَ قيسٍ              ظللنَ مهابةً منهُ خشوعا

قال سليمان التيمي قال الأحنف: “ثلاث في ما أذكرهن إلا لمعتبر، ما أتيت باب سلطان إلا أن أدعى، ولا دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما، وما أذكر أحدًا بعد أن يقوم من عندي إلا بخير”.

وقال: “ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه”، وقال: «لست بحليم ولكني أتحالم».

وقيل إن رجلاً خاصم الأحنف وقال: لئن قلت واحدة لتسمعن عشرًا، فقال الأحنف: «لكنك إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة».

وقيل إن رجلاً قال للأحنف: بِمَ سُدْتَ؟ وأراد أن يعيبه، قال الأحنف: «بتركي ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك».

وروي عن ذي الرمة قال: شهدت الأحنف بن قيس وقد جاء إلى قوم في دم، فتكلم فيه وقال: احتكموا، قالوا نحتكم ديتين قال: ذاك لكم فلما سكتوا قال: «أنا أعطيكم ما سألتم.، فاسمعوا إن الله قضى بدية واحدة وإن النبي قضى بدية واحدة وإن العرب تعاطى بينها دية واحدة وأنتم اليوم تطالبون وأخشى أن تكونوا غدًا مطلوبين فلا ترضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم»، قالوا: ردها إلى دية.

وفاة الأحنف بن قيس

كان موته بالبصرة زمن ولاية مصعب بن الزبير، سنة سبع وستين، ومشى مصعب في جنازته وقال مصعب يوم موته: “ذهب اليوم الحزم والرأي”.

مات الأحنف بن قيس في دار ابن أبي عصيفير بالكوفة، فجاءت امرأة على بغل في رحالة وحولها جماعة نساء فقالت: “أيها الأمير إن ابن عمي مات بأرض غربة فأذن لي أندبه فقيل: شأنك فقالت: لله درك من مجن في جنن، ومدرج في كفن، أسأل الله الذي ابتلانا بفقدك وفجعنا بيومك، أن يوسع لك في لحدك، وأن يكون لك في يوم حشرك، ثم أقبلت على الناس فقالت: أيها الناس إن أولياء الله في بلاده شهود على عباده وإنا لقائلون حقًا ومثنون صدقًا ثم قالت: أما والدي كنت من أمره إلى مدة، ومن المضمار إلى غاية من الموت إلى نهاية الذي رفع عملك عند انقضاء أجلك. لقد عشت حميدًا مودودًا، ومت شهيدًا فقيدًا، ولقد كنت في المحافل شريفًا، وعلى الأرامل عطوفًا، ومن الناس قريبًا، وفيهم غريبًا، وإن كنت لمسودًا، وإلى الخلفاء موفدًا، وإن كانوا لفقدك لمستمعين ولرأيك لمتبعين”.

المصدر: سير أعلام النبلاء

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق