عُرضت عليه الخلافة ولم يقبلها.. عبد الله بن عمر بن الخطاب: الخليفة غير المتوج وقصّته مع الحجاج بن يوسف ورواياته عن النبي ﷺ

عبد الله بن عمر بن الخطاب: الخليفة غير المتوج، أكثر الصحابة علمًا ورواية للحديث

مدى بوست – فريق التحرير

عبد الله بن عمر أحد الأئمة الثلاثة الذين شيدوا صرح العلم في عهد الخلفاء الراشدين، وهم: زيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وهم الذين كانوا مرجع الأمة في عنفوان شبابهم، وبقوا كذلك حتى لقوا وجه ربهم.

وعبد الله بن عمر دخل الإسلام في ظل أبيه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، حيث كان في الخامسة من عمره.

كان ابن عمر من أكثر الصحابة رواية للحديث، فروى عن الرسول صل الله عليه وسلم وعن أبيه وأبي بكر وعثمان، كان من المتقين الزاهدين، فزهد في الخلافة واعتزل الفتنة، مدحه كثير من الصحابة وأثنوا عليه، توفي بمكة ودفن بها.

نسب ونشأة عبد الله بن عمر

هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العُزى بن رِيَاح بن عبد اللَّه بن قُرْطِ بن رَزَاحِ بن عَدِيِّ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غالب بن فِهر، يُكنى بأبي عبد الرحمن. أمه زينب بنت مظعون، وكان إسلامه بمكة مع إسلام أبيه عمر بن الخطاب، ولم يكن بَلَغ يومئذ. وهاجر مع أبيه إلى المدينة، وكان عمره عشر سنين.

عبد الله بن عمر
تعبيرية

ما إن هاجر عبد الله إلى المدينة المنورة حتى انخرط في عقد المسلمين، وصحب النبي محمدًا والتف حوله مع غيره من صحابته. ولما أمر النبي محمد أصحابه بالخروج إلى غزوة بدر، تطوع يومها عبد الله للقتال، فردّه النبي محمد لصغر سنه، وهو ما تكرر عندما حاول التطوع للقتال في غزوة أحد. 

لم يُجزه النبي محمد للقتال إلا في غزوة الخندق وكان عمره يومها خمسة عشر سنة، وقد روى مولاه نافع تلك الأحداث على لسان ابن عمر نفسه، فقال: «عرضت على النبي صل الله عليه وسلم يوم بدر، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فلم يقبلني، وعرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يقبل وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فقبل».

ومنذ ذلك اليوم، شهد ابن عمر ما بعد غزوة الخندق من المشاهد مع النبي محمد، فشهد بيعة الشجرة، وفتح مكة، وغزوة مؤتة، ثم شارك بعد وفاة النبي في فتوح الشام والعراق وفارس ومصر وإفريقية. ولما قامت الفتن بعد مقـ.ـتـ.ـل عثمان بن عفان، وبعد وفاة يزيد بن معاوية، آثر ابن عمر اعتزال الفتن.

إلى جانب الجهاد مع رسول الله، كان ابن عمر أحد المكثرين في الفتوى، وكذلك هو من المكثرين في رواية الحديث النبوي عن النبي محمد صل الله عليه وسلم. كان ابن عمر من أكثر الناس اقتداءً بسيرة النبي محمد، ومن أكثرهم تتبُّعًا لآثاره، كما كان قبلة لطُلاّب الحديث والفتاوى في المدينة المنورة، وطلاّب العطايا لما عُرف عنه من سخائه في الصدقات، والزهد في الدنيا.

اقرأ أيضًا: زلزل عروش ملوك الأرض في زمانه.. قصة الفاروق عمر بن الخطاب الذي قصد النبي ﷺليثأر لخاله أبو جهل من حمزة فأسلم بعده بثلاثة أيام!

رواية عبد الله بن عمر للحديث

عبد الله بن عمر أحد العبادلة المكثرين مِن حفظ حديث رسول الله والرواية عنه، فقد روى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأكثر، وعن أبيه، وأبي بكر، وعثمان، وسعد، وابن مسعود، وأخته حفصة، وعائشة، وغير ذلك.

وروى عنه بنوه (سالم، وحمزة، وعبد الله، وبلال، وزيد، وعبيد الله، وعمر)، وحفيداه (محمد بن زيد، وأبو بكر بن عبيد الله)، ومولاه نافع، وزيد بن سالم، وأسلم مولى أبيه عمر، والحسن، ومحمد، وأنس ابني سيرين، والزهري، وعطاء.

عبد الله بن عمر
تعبيرية

كما روى عنه أكثر من أربعين رجلًا من أهل مصر، له في مسند بقي بن مخلد ألفا حديث وسبعمائة حديث وثلاثون حديثًا (2730) ، وذُكر أن له ألف وستمائة وثلاثون حديثًا (1630)، اتفق البخاري ومسلم على مائة وسبعين (170) وانفرد البخاري بأحد وثمانين (81)، ومسلم بأحد وثلاثين (31).

اتّباع عبد الله بن عمر للرسول صل الله عليه وسلم

كان عبد الله بن عمر حريصًا كل الحرص على أن يفعل ما كان الرسول صل الله عليه وسلم يفعله، وكان يتحفظ ما سمع من النبي ويسأل من حضر إذا لم يحضر عما قال أو فعل، وكان يتتبع آثاره صل الله عليه وسلم، ويصلي في كل مسجد صلى فيه النبي،

شهد مع النبي حجة الوداع؛ فوقف معه بعرفة فكان يقف في ذلك الموقف كلما حج، ولا يفوته الحج في كل عام، وتقول في ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ أَلْزَمَ لِلْأَمْرِ الْأَوَّلِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ». حتى إنّ النبي نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصبُّ في أصلها الماء لكيلا تيبس، لذلك قال عنه سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: «لَوْ شَهِدْتُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَشَهِدْتُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ».

علم عبد الله بن عمر

كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه من فقهاء الصحابة المعدودين وأعلم صحابة رسول الله بمناسك الحج، وقد أفتى المسلمين قرابة ستين سنة، فعن مالك بن أنس قال: “كان إمام الناس عندنا بعد عمر زيد بن ثابت، وكان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر رضي الله عنهم”، مكث ستين سنة يفتي الناس.

وعن أبي إسحاق الهمداني قال كنا نأتي ابن أبي ليلى في بيته وكانوا يجتمعون إليه، فجاءه أبو سلمة بن عبد الرحمن فقال أعمر كان عندكم أفضل أم ابنه؟ فقالوا: لا، بل عمر. فقال أبو سلمة إن عمر كان في زمان له فيه نظراء، وإن ابن عمر كان في زمان ليس له فيه نظير.

وكان عبد الله بن عمر شديد الحذر في روايته عن الرسول، فكان يروي الحديث كما سمعه من النبي من غير أن يزيد فيه ولا ينقص، فعن أبي جعفر قال: «لم يكن أحد من أصحاب النبي صل الله عليه وسلم إذا سمع من رسول الله حديثًا أحذر أن لا يزيد فيه ولا ينقص من ابن عمر رضي الله عنهما».

كما كان شديد الحذر والحرص في الفتيا، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجلاً سأله عن مسألة، فقال: «لا علم لي بها»، فلما أدبر الرجل، قال ابن عمر: “نعم ما قال ابن عمر، سئل عما لا يعلم فقال: لا علم لي بها”.

موقف عبد الله بن عمر من الخلافة

رغم كل ما ذكر عن عبد الله بن عمر من روايته للحديث واتباعه للرسول صل الله عليه وسلم وجهاده وتقواه وعلمه وجوده وكرمه وزهده إلا أنه عرضت عليه الخلافة عدة مرات فلم يقبلها، فعن الحسن، قال: “لما قتـ.ـل عثمان رضوان الله عليه جاء الناس إلى عبد الله بن عمر رضوان الله عليه.

فقالوا له: أنت سيد الناس، وابن سيدهم، فاخرج بنا حتى نبايع لك، فقال ابن عمر: أما والله ما دام في روح فلن يهراق في محجمة من دم، فعاودوه فقالوا: إن لم تخرج قتلناك على فراشك، فأعاد لهم الكلام مثل ما قال في المرة الأولى”.

وعن المطعم بن المقدام الصنعاني، قال: “كتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن عمر بلغني أنك طلبت الخلافة، وإن الخلافة لا تصلح لعيي، ولا بخيل، ولا غيور فكتب إليه ابن عمر: أما ما ذكرت من الخلافة أني طلبتها فما طلبتها، وما هي من بالي، وأما ما ذكرت من العي، والبخل، والغيرة، فإن من جمع كتاب الله فليس بعيي، ومن أدى زكاة ماله فليس ببخيل، وأما ما ذكرت من الغيرة فإن أحق ما غرت فيه ولدي أن يشركني فيه غيري”.

واستقر الأمر لمعاوية ومن بعده لابنه يزيد، ثم ترك معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة زاهدًا فيها بعد أيام من توليه، وكان عبد الله بن عمر شيخًا مسنًا كبيرًا، فذهب إليه مروان وقال له: “هلم يدك نبايع لك، فإنك سيد العرب، وابن سيدها، قال: قال له ابن عمر: كيف أصنع بأهل المشرق؟ قال: تضربهم حتى يبايعوا، قال: والله ما أحب أنها دانت لي سبعين سنة، وأنه قتـ.ـل في سببي رجل واحد”، فانصرف عنه مروان.

وفاة عبد الله بن عمر

كانت وفاة ابن عمر سنة 74 هـ، وقيل 73 هـ، بمكة وصلى عليه الحجاج بن يوسف الثقفي، ودفن بفخ في مقبرة المهاجرين نحو ذي طوى، وقيل دُفن بالمحصب، وقيل بسرف، وهو آخر من مات بمكة من الصّحابة، وَكَانَ قد عمي قبل وفاته.

وقد نعاه الذهبي، فقال: «أين مثل ابن عمر في دينه، وورعه وعلمه، وتألّهه وخوفه، من رجل تُعرض عليه الخلافة، فيأباها، والقضاء من مثل عثمان، فيرده، ونيابة الشام لعلي، فيهرب منه. فالله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب».

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق