أعاد القوى الإسبانية لحظيرة الولاء وأسس جامعة قرطبة.. قصىة الملك الأديب الحكم المستنصر بالله الذي جعل من الأندلس منارةً للعلم

قصة الملك الأديب الحكم المستنصر بالله.. أسس جامعة قرطبة، وفي عهده أصبحت الأندلس منارة العلم

مدى بوست – فريق التحرير

الحكم المستنصر بالله، تاسع أمراء الدولة الأموية في الأندلس، وثاني خلفاء الأندلس بعد أبيه عبد الرحمن الناصر لدين الله الذي أعلن الخلافة في الأندلس عام 316 هـ.

كان عصر المستنصر بالله امتدادًا لفترة زهوة الدولة الأموية في الأندلس الذي بدأ في عهد أبيه، وقد اشتهر بعشقه للعلم واقتناء الكتب، حتى عجت مكتبته بنحو أربعمائة ألف مجلد، بذل جهدًا في جمعها من مختلف الأقطار.

ازدهرت في عصره العلوم والآداب، وأصبحت الأندلس منارة يهتدي العالم بنورها، قام بتوسيع جامع قرطبة أجمل جوامع العالم، ومن قلبه أسس جامعة قرطبة التي كانت أشهر الجامعات وقتذاك، واستطاع أن يحولها إلى أكبر مركز علمي في أوروبا.

الحكم المستنصر بالله
درهم سكت في عهد الحكم المستنصر بالله في مدينة الزهراء عام 358 هـ.

نسب الحكم المستنصر بالله

هو أبو العاص، الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، الملقب بالمستنصر بالله.

والده: عبد الرحمن الناصر لدين الله، ثامن حكام الدولة الأموية في الأندلس التي أسسها عبد الرحمن الداخل في الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية في دمشق، وأول خلفاء قرطبة بعد أن أعلن الخلافة في قرطبة في مستهل ذي الحجة من عام 316 هـ.

والدته: “أم ولد” وتُدعى مرجان.

زوجته: صبح البشكنجية.

أولاده: عبد الرحمن “توفي طفلًا”، هشام المؤيد بالله “عاشر الحكام الأمويين للأندلس وثالث خلفائهم في قرطبة”.

خلافة الحكم المستنصر بالله

ولد الحكم بن عبد الرحمن في 24 جمادى الأولى وقيل غرة رجب 302 هـ في قرطبة. استمر عهد أبيه الناصر لدين الله خمسين عامًا، حتى إن أباه كان يداعبه قائلًا: “لقد طوّلنا عليك يا أبا العاصي”، وكان قد أوكل إليه العديد من المهام في حياته، حتى يشتد عوده وينضج قبل تولي الخلافة من بعده. 

بعد وفاة أبيه، تولى الحكم الخلافة بعهد من أبيه، وبويع في اليوم التالي لوفاة أبيه في 3 رمضان 350 هـ، واتخذ لقب المستنصر بالله، وقد كان عمره سبعة وأربعون عامًا، وكان حسن السيرة فاضلًا عادلًا، رفيقًا بالرعية. 

قال عنه المؤرخ الوزير الأندلسي ابن الخطيب الغرناطي: “كان (الحكم المستنصر بالله) ملكًا جليلًا، عظيم الصيت، رفيع القدر، عالي الهمة، فقيهًا بالمذهب، عالمًا بالأنساب، حافظًا للتاريخ، جماعًا للكتب، محبًا للعلم والعلماء، مشيرًا للرجال من كل بلد، جمع العلماء من كل قطر، ولم يكن في بني أمية أعظم همة، ولا أجل رتبة في العلم وغوامض الفنون منه. واشتهر بهمته بالجهاد، وتحدث بصدقاته في المحول، وأملته الجبابرة والملوك”.

بينما قال العالم الإسباني الكبير فندث بيدال: “وصلت الخلافة الأندلسية في ذلك العصر إلى أوج روعتها، وبسطت سيادتها السلمية على سائر إسبانيا، وكفلت بذلك السكينة العامة”.

أما المؤرخ ابن حبان في (بغية الملتمس)، فقد قال: “لم يسمع في الإسلام بخليفة، بلغ مبلغ الحكم المستنصر في اقتناء الكتب والدواوين، وإيثارها والاهتمام بها، أفاد على العلم، ونوّه بأهله، ورغّب الناس في طلبه، وصلت عطاياه وصلاته إلى فقهاء الأمصار النائية”.

إنجازات الخليفة الحكم المستنصر بالله

عاشت قرطبة في عصر المستنصر بالله أزهى عصورها العلمية، وتحولت إلى مركز للعلم والمعرفة، ووصل إشعاعها الثقافي إلى سائر أوروبا، عُرف بتقواه وورعه وعدله، وله الكثير من الإنجازات، نذكر منها:

إعادة القوى الإسبانية إلى حظيرة الولاء

واجهت الأندلس مدة خلافة الحَكَم (ستة عشر عامًا) العديد من الأحداث العسكرية مع إسبانيا الشمالية، سواء تلك التي قادها بنفسه، أو وَجَّه إليها قادتَه وجندَه، برًّا وبحرًا.

بدأت هذه الأحداث من بعد وفاة والده الخليفة الناصر، التي استغلت الحدث للتمرد، فأعادها المستنصر بالله إلى حظيرة الولاء، وذلك بتجريد الحملات عليها، وبالعمل الدبلوماسي المتمثل باستغلال المنازعات بين الدويلات الإسبانية، أو بين القوى ضمن كل دويلة. وفي سنة 361هـ، عين الحكم سفارة متنقلة بين دول الشمال الإسبانية؛ “للتعرّف على أخبارهم، تحيطه علمًا على الدوام بما يجري فيها، وإبلاغ الكتب إليهم في كل وقت”.

كما حافظ على الأندلس من الأخطار الخارجية، وتصدى لثلاث هجماتٍ بحرية، قام بها “النورمان”، المعروفون باسم “الفايكنج”، انطلاقًا من الدنمارك: الهجوم الأول بداية رجب سنة 355هـ كما ذكر المقري ذلك في “نفح الطيب”، والهجوم الثاني بداية رمضان سنة 360هـ، والهجوم الثالث بداية سنة 361هـ.

قطع الخمر من الأندلس

في أول يوم من خلافته، أصدر الأوامر بقطع الخمر من الأندلس وأمر بإراقتها وتشدد في ذلك، وشاور في استئصال شجرة العنب من جميع أعماله، فقيل له إنهم يعملونها من التين وغيره، فتوقف عن ذلك.

أمر بالقبض على كثير من المجاهرين بالمجون وأودعوا السجن، فكان ممن لوحق وسجن يوسف بن هارون البطليوسي الشاعر المعروف بأبي جنيش، وبقي في محبسه حتى لان له الخليفة، فأطلق سراحه بعد أشهر.

كما أصدر أمرًا مطاردة الشعراء الهجائيين والقبض عليهم؛ صونًا لأعراض الناس من لاذع ألسنتهم ومقذع هجائهم، وكان منهم عيسى بن قرلمان الملقب بالزبراكة، ومؤنس الكاتب، وأحمد بن الأسعد، وغيرهم، فظفر صاحب المدينة بهم وأودعهم السجن.

مجانية التعليم

قام بتخصيص ميزانية من خزينة الدولة، للتعليم المجاني لأبناء الشعب، فقام بوقف حوانيت السراجين بسوق قرطبة على المعلمين الذين قد اتخذهم لتعليم أولاد الضعفاء والمساكين بقرطبة. بلغت عدد المدارس في عهده 27 مدرسة مجانية، منها ثلاث مدارس ازدهرت في المساجد، و24 مدرسة في أحياء قرطبة المختلفة.

ازدهار العلوم والمعرفة

عاشت الأندلس في عهده عصرًا ذهبيًّا تميز بعدَّة مظاهر، أبرزها ازدهار العلوم والآداب. أطلق الحكم للفلكيين والرياضيين الحرية في إذاعة علومهم، فظهرت مدرسة مسلمة المجريطي (ت 398هـ/ 1007م) في مدريد، ولقيت دراسة الطب عناية عظيمة بفضل الطبيب أبي القاسم الزهراوي (ت 404هـ/ 1013م)، كما نهضت دراسة النبات على يد سليمان بن جلجل (ت384هـ/ 994م).

حرص على جمع الكتب النفيسة والنادرة من جميع الأقطار، فكان الفارابي أحد الذين اعتمد عليهم الحكم المستنصر للحصول على المؤلفات من العراق، كما ازدهر تأليف الكتب في عصره حتى كثر النساخون، وصار وظيفةً للنساء في البيوت.

لما ضاقت مساحات القصر عن استيعاب العدد العظيم من الكتب الواردة إليها باستمرار، أنشأ الحكم على مقربة من القصر مكتبة قرطبة، وهي صرحٌ عظيم وصلت محتوياتها إلى أربعمائة ألف مجلد، وحوت العديد من المؤلفات التي كانت معروفة في عهده.

عمارة جامع قرطبة

عود تاريخ إنشاء جامع قرطبة إلى الأمير عبد الرحمن الداخل الأموي، أول الأمراء الأمويين في الأندلس، وقد جرت العادة أن يقوم كل أمير جديد من أمراء الأندلس بزيادات على المسجد، وإجراء توسعات عليه.

أول قرار اتخذه الحكم المستنصر بالله، وذلك في اليوم الثاني من خلافته، كان زيادة محيط مسجد قرطبة، فقد أضاف له محرابًا هو المحراب الثالث في جامع قرطبة، وقد أحكم عمله ونقشه في سبع سنين، وأجمع كل المؤرخين على أنه أجمل ما في مسجد قرطبة.

كما زين الحكم المستنصر الجامع بالفسيفساء المجلوبة من قبل إمبراطور القسطنطينية مع الصناع المهرة، ويقول المؤرخ المقري: “والجامع ليس في معمور الأرض مثله، فيه من النقوش والرقوم ما لا يقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول”.

جامعة قرطبة

أسسها الحكم المستنصر بالله، فظهرت من قلب جامع قرطبة وتحت أعمدته ومناراته، فقد كانت يومئذ أشهر جامعات العالم، وتدرس في حلقاتها مختلف العلوم، وفيها كانت تلقى الدروس في مختلف العلوم، حتى تحوّلت إلى أكبر مركز علمي في أوروبا، ومن خلالها انتقلت العلوم العربية إلى الدول الأوربية على مدى قرون، وتدرّس في حلقاتها كل العلوم، ويختار لها أعظم الأساتذة؛ فقد كان أبو بكر بن معاوية القرشي يدرس الحديث، ويملي أبو علي القالي دروسه عن العرب قبل الإسلام وعن لغتهم وأمثالهم، وكان ابن القوطية يدرس النحو، وكان الطلبة يفدون بالآلاف، ومن الذين تخرجوا في جامعة قرطبة، الكاتب والشاعر المعروف ابن زيدون.

وفاة الحكم المستنصر بالله

في ربيع الأول 364 هـ، اعتلت صحة الحكم واحتجب حتى نهاية ربيع الآخر، فأعتق مائة عبد، ثم أسقط سدس المغارم على رعاياه في الأندلس حمدًا لله على انتهاء مرضه، وأمر بأن تؤخذ البيعة لولده هشام فأخذت في القصر في غرة جمادى الآخرة 365 هـ. إلا أنه علّته تواصلت حتى توفي في 3 صفر 366 هـ

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق