عام الرمادة: عندما علّمنا عمر بن الخطاب فن إدارة الأزمات

عام الرمادة: فن إدارة الأزمات في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب

مدى بوست – فريق التحرير

الفاروق عمر بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين، من كبار صحابة الرسول صل الله عليه وسلم، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد أشهر الأشخاص والقادة في التاريخ الإسلامي ومن أكثرهم تأثيرًا ونفوذًا.

تولى الفاروق الخلافة بعد وفاة خليفة المسلمين الأول أبو بكر الصديق سنة 13 هجريًا، اشتهر بعدله وإنصافه الناس من المظالم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وفي عهده بلغ الإسلام مبلغًا عظيمًا، وتوسع نطاق الدولة الإسلامية حتى شمل كامل العراق ومصر وليبيا والشام وفارس وخراسان وشرق الأناضول وجنوب أرمينية وسجستان، وهو الذي أدخل القدس تحت حكم المسلمين لأول مرة.

بعد 5 سنوات من خلافته، واجه الفاروق واحدة من أكبر الأزمات في التاريخ الإسلامي، عام الرمادة، مجاعة حلت على المدينة المنورة والقرى المجاورة لها، استمرت 9 أشهرٍ، لكن عدل وحنكة وحسن إدارة عمر بن الخطاب للأزمة، جعلتها تمر بأقل الخسائر.

عام الرمادة
تعبيرية

استخلاف عمر بن الخطاب

في شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية، مرض الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه واشتد به المرض، فلما شعر بدنو الأجل، جمع الناس إليه، فقال: “إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتًا لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم فأمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي”.

استشار أبو بكر الصديق كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار في أمر خليفة المسلمين الثاني، وتشاور الصحابة رضي الله عنهم فيما بينهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه؛ إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه فقالوا: “رأينا يا خليفة رسول الله رأيك”، قال: “فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده”.

اقرأ أيضًا: زلزل عروش ملوك الأرض في زمانه.. قصة الفاروق عمر بن الخطاب الذي قصد النبي ﷺليثأر لخاله أبو جهل من حمزة فأسلم بعده بثلاثة أيام!

فدعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقال له: “أخبرني عن عمر بن الخطاب؟”، فقال له: “ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني”، فقال أبو بكر: “وإن”، فقال عبد الرحمن: “هو والله أفضل من رأيك فيه”.

ثم دعا عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال: “أخبرني عن عمر بن الخطاب”، فقال: “أنت أخبرنا به”، فقال: “على ذلك يا أبا عبد الله”، فقال عثمان: “اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله”، فقال أبو بكر: “يرحمك الله، والله لو تركته ما عدتك”.

ثم استشار أسيد بن حضير، سعيد بن زيد، وعددًا من الأنصار والمهاجرين، كلهم رحبوا باستخلاف عمر بن الخطاب إلا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه خاف من شدته، وهكذا استقر أمر أبو بكر الصديق على الفاروق، وكتب وصيةً بذلك.

تولى عمر بن الخطاب الخلافة في السنة الثالثة عشر للهجرة، واستمر في الخلافة حتى استشهاده في السنة الثالثة والعشرين للهجرة، 10 سنوات والدولة الإسلامية في عهده من ازدهار إلى ازدهار، تتوسع وينتشر الإسلام استوعبت الدولة الإسلامية كامل أراضي الإمبراطورية الفارسية الساسانية وحوالي ثلثيّ أراضي الامبراطورية البيزنطية.

عام الرمادة: فن إدارة الأزمات في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب

في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقعت بالمدينة وما حولها من القرى مجاعة شديدة، وكان ذلك في 18هـ بعد عودة الناس من الحج، فحبس المطر من السماء وأجدبت الأرض، وهلكت الماشية، واستمرت هذه المجاعة تسعة أشهر، حتى صارت الأرض سوداء فشبهت بالرماد، وسُمي عام الرمادة.

لإدارة هذه الأزمة، قام الفاروق بمجموعة من الخطوات والتدابير اللازمة والمواقف النبيلة في حلها وإدارتها، ومن ذلك: 

حث الناس على كثرةِ الصلاة والدعاء واللجوء إلى الله 

قال ابن سعد في الطبقات من خبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: “كان عمر بن الخطاب أحدث في عام الرمادة أمرًا ما كان يفعله، لقد كان يصلي بالناس العشاء، ثم يخرج حتى يدخل بيته، فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب (أطراف المدينة) فيطوف عليها، وإني لأسمعه ليلة في السحر، وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي”.

وأخرج أيضًا من خبر سليمان بن يسار، قال: (خطب عمر بن الخطاب الناس في زمن الرمادة، فقال: “أيها الناس اتقوا الله في أنفسكم، وفيما غاب عن الناس من أمركم، فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، فما أدري السخطى عليَّ دونكم، أو عليكم دوني، أوقد عمتني وعمتكم، فهلموا فندع الله يصلح قلوبنا، وأن يرحمنا، وأن يرفع عنا المحل”، قال: فرئي عمر يومئذ رافعًا يديه يدعو الله، ودعا الناس، وبكى وبكى الناس مليًا، ثم نزل، وكان يقول: “اللهم لا تهلكنا بالسنين (أي بالقحط) وارفع عنا البلاء”، يردد هذه الكلمة، وكان ينادي في الناس: “أيها الناس استغفروا ربكم ثم توبوا إليه وسلوه من فضله، واستسقوا سقيا رحمة”).

طلب الغيث من الله

لم يكتف الفاروق بحث الناس على اللجوء إلى الله فحسب، بل كان أسرعهم إليه، فأكثر من الصلاة والدعاء لرفع البلاء، ومما ورد عن مواقفه في عام الرمادة، ما يلي:

خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرة يستسقي، فنادى في الناس فأوجز، ثم صلى ركعتين فأوجز، ثم قال: “اللهم عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم اسقنا وأحيي العباد والبلاد”. 

وعن خوات بن جبير قال: (خرج عمر يستسقي بهم فصلى ركعتين فقال: “اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك”؛ فما برح من مكانه حتى مطروا، فقدم أعراب، فقالوا: “يا أمير المؤمنين، بينا نحن في وادينا في ساعة كذا، إذ أظلتنا غمامة، فسمعنا منها صوتًا: أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص”).

وروى ابن أبي الدنيا بسنده إلى الشعبي، قال: (خرج عمر يستسقي بالناس، فما زاد على الاستغفار حتى رجع، فقالوا: “يا أمير المؤمنين، ما نراك استسقيت”، فقال: “لقد طلبت المطر بمحاديج السماء التي يُستنزل بها المطر”؛ ثم قرأ: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح:9 – 10]، ثم قرأ: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} [هود: 3]).

وروى الطبراني بسنده إلى أنس: (أن عمر خرج يستسقي، وخرج بالعباس معه يستسقي بقوله: “اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبينا توسلنا إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا”؛ قال: “فيُسقون”).

طلب الإغاثة من ولاته على المدن الإسلامية

كتب الفاروق عمر بن الخطاب إلى بعض ولاته يطلب المدد والعون، فكتب إلى عمرو بن العاص في مصر، سعد بن أبي وقاص في العراق، عبيدة بن الجراح في الشام.

وفي رسالته إلى عمرو بنِ العاص والي مصر بعث إليه: “يا غوثاه يا غوثاه، أنت ومن معك ومَن قِبَلك وما أنت فيه، ونحن ما نحن فيه”، فأرسل إليه عمرو بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدهن، وبعث إليه بخمسةِ آلاف كِساء.

وأرسل إلى سعد بن أبي وقاص فأرسل له بثلاثةِ آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثةِ ألاف عباءة، وأرسل إلى والي الشام فبعث إليه بألفي بعير تحمل الزاد.

وقف إقامة الحد في عام الرمادة

أوقف الفاروق عمر بن الخطاب تطبيق حد السرقة في عام الرمادة، وهذا ليس تعطيلاً لهذا الحدِّ، بل لأن شروط تنفيذ الحد لم تكن متوافرةً، فأوقف تنفيذ حدِّ السَّرقة لهذا السَّبب، فالذي يأكل ما يكون ملكًا لغيره بسبب شدَّة الجوع، وعجزه عن الحصول على الطَّعام يكون غير مختارٍ، فلا يقصد السَّرقة، ولهذا لم يقطع عمر يد الرَّقيق الَّذين أخذوا ناقةً، وذبحوها، وأمر سيِّدهم حاطب بدفع ثمن النَّاقة، وقد قال عمر رضي الله عنه: (لا يُقطع في عَذْقٍ، ولا عام السَّنة).

تأخير دفع الزكاة في عام الرمادة

أوقف الفاروق عمر بن الخطاب، إلزام الناس بدفع الزكاة في عام الرمادة، ولما انتهت المجاعة، وخصبت الأرض جمع الزكاة عن عام الرمادة، أي اعتبرها دينًا على القادرين حتى يسد العجز لدى الأفراد المحتاجين، وليبقي في بيت المال رصيدًا بعد أن أنفقه كله خلال الأزمة.

 فعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخر الصدقة عام الرمادة، فلم يبعث السعاة، فلما كان قابل، ورفع الله ذلك الجدب؛ أمرهم أن يخرجوا؛ فأخذوا عقالين، فأمرهم أن يقسموا عقالًا ويقدموا عليه بعقال، أي: صدقة سنة.

معسكرات للاجئين في عام الرمادة

أقام الفاروق عمر بن الخطاب ما يشبه معسكرات اللاجئين، لاستقبال العرب من كل ناحية، وتقديم الطعام إليهم، فيروى:

عن أسلم، قال: لما كان عام الرمادة جاءت العرب من كل ناحية، فقدموا المدينة، فكان عمر قد أمر رجالاً يقومون بمصالحهم، فسمعته يقول ليلة: أحصوا من يتعشى عندنا. 

فأحصوهم من القابلة، فوجدوهم سبعة آلاف رجل، وأحصوا الرجال المرضى، والعيالات فكانوا أربعين ألفًا، ثم بعد أيام بلغ الرجال، والعيال ستين ألفًا، فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت؛ رأيت عمر قد وكل بهم من يخرجونهم إلى البادية، ويعطونهم قوتًا وحملانًا إلى باديتهم، وكان قد وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم، وكانت قدور عمر تقوم إليها العمال من السحر يعملون الكركور، ويعملون العصائد.

كان الفاروق آية في الزهد في أثناء المجاعة

واسى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس بنفسه، فحرمها من الطعام الذي لا يجده الناس، فقد جيء لعمر بن الخطاب في عام الرمادة بخبز مفتوت بسمن، فدعا رجلاً بدويًا ليأكل معه، فجعل البدوي يتبع باللقمة الودك في جانب الصفحة، فقال له عمر: كأنك مقفر من الودك، فقال البدوي: أجل، ما أكلت سمنًا، ولا زيتًا، ولا رأيت أكلاً له منذ كذا، وكذا إلى اليوم، فحلف عمر أن لا يذوق لحمًا، ولا سمنًا حتى يحيا الناس.

قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (تقرقر بطن عمر وكان يأكل الزيت عام الرمادة، وكان حرم عليه السمن، فنقر بطنه بأصبعه. وقال: “تقرقر تقرقرك إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحيا الناس”).

وأكل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشعير، فصوت بطنه، فضربه بيده، وقال: “والله ما هو إلا ما ترى حتى يوسع الله على المسلمين”.

وقد تأثر الفاروق عمر في عام الرمادة حتى تغير لونه رضي الله عنه فعن عياض بن خليفة، قال: “رأيت عمر عام الرمادة، وهو أسود اللون، ولقد كان رجلاً عربيًا يأكل السمن، واللبن، فلما أمحل الناس حرمهما، فأكل الزيت حتى غير لونه، وجاع، فأكثر”.

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق