فاتح مدائن كسرى وقائد نصر القادسية العظيم.. قصّة سعد بن أبي وقاص خال النبي ﷺ وحكاياه مع الخلفاء الراشدين

سعد بن أبي وقاص خال النبي قائد القادسية ومعتزل الفتنة، قصة إسلامه وجهـ.ـاده مع النبي والخلفاء الراشدين

مدى بوست – فريق التحرير

سَعْد بن أَبي وقاص مَالِك القرشي الزهري، خال النبي صل الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين ‏إلى الإسلام، فقيل ثالث من أسلم وقيل السابع.‏

هو أوّل من رمى بسهمٍ في سبيل الله، وقد قال له النبي: «ارم فداك أبي وأمي»، كان أحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم ‏الفاروق عمر بن الخطاب ليختاروا الخليفة من بعده، واعتزل الفتنة ما بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله ‏عنهما.‏

شهد مع الرسول المشاهد كلها، واستعمله خليفة المسلمين الثاني عمر بن الخطاب على الجيوش التي سَيَّرها لقتـ.ـال الفرس، فانتصر ‏عليهم في يوم القادسية الشهير، وأَرسل جيشًا لقتـ.ـال الفرس بجلولاء فانتصروا عليهم، وهو الذي فتح مدائن كسرى بالعراق.‏

سغد بن أبي وقاص
تعبيرية

نسب سعد بن أبي وقاص

سعد بن أبي وقاص: هو سَعْد بن أَبي وقاص القرشي الزهري، واسم أَبي وقاص: مالك بن وُهَيب وقيل: أُهيب بن عبد مناف بن ‏زُهْرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ‏بن نزار بن معد بن عدنان. يلتقي نسبه مع النبي صل الله عليه وسلم فِي كلاب بن مرة، وهو من بني زهرة وهم فخذ آمنة بنت ‏وهب أم الرسول، لذلك يعد من أخوال النبي.‏

والدته: حَمْنَةُ بنت سفيان بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ، وقيل: حمنة بنت أَبي سفيان بن أُمية بنت عم أبي سفيان ‏بن حرب بن أمية.‏

أشقائه: عامر بن أبي وقاص، من السابقين الأولين، ومن مهاجرة الحبشة، شهد غزوة أحد، وكان يحمل الرسائل من قادة جيوش ‏المسلمين في الشام إلى الخليفة في المدينة المنورة، وقد كان نائبًا لأبي عبيدة على إمارة جند الشام. ‏

عتبة بن أبي وقاص، اختلف في إسلامه، وقيل أنه هو الذي كسر رَباَعِيَة النبي في غزوة أحد وأنه مات كافرًا، وهو والد هاشم بن ‏عتبة. وعمير بن أبي وقاص، أسلم مبكرًا، وقتـ.ـل في غزوة بدر وهو في ابن ست عشرة سنة.‏

نشأة سعد بن أبي وقاص

ولد سعد بن أبي وقاص في مكة واختلف في عام مولده، فقيل ولد سنة 23 قبل الهجرة، وقيل ولد قبل البعثة بتسع عشرة سنة؛ لأنه ‏قال: «أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة».‏

تشأ سعد في قبيلة قريش، واحترف بري السهام وصناعة القِسي، فكان ماهرًا في الرمي وحياة الصيد والغزو، خالط شباب قريش ‏وساداتها، وتعرف على الدنيا من خلال متابعة قوافل الحجيج الوافدة إلى مكة.‏

صفاته الخلقية: كان سعد رجلًا قصيرًا، دحداحًا، غليظًا، ذا هامة، شثن الأصابع، جعد الشعر، أشعر الجسد، آدم، أفطس، يخضب ‏بالسواد. وكان سعد من أحدّ الناس بصرًا؛ فرأى ذات يوم شيئًا يزول، فقال لمن معه: «ترون شيئًا؟» قالوا: «نرى شيئًا كالطائر» ‏قال: «أرى راكبًا على بعير»، ثم جاء بعد قليل عم سعد على بُخْتي، فقال سعد: «اللهم إنا نعوذ بك من شَرِّ ما جاء به».‏

إسلام سعد

سعد بن أبي وقاص من السابقين الأولين إلى الإسلام، فقيل ثالت من أسلم وقيل السابع. أسلم على يد أبو بكر الصديق، كان إسلامه ‏قبل أن تُفرَض الصلاة، وهو ابن تسع عشرة سنة، وقيل سبع عشرة سنة، قال أبو القاسم الأصبهاني: «أَسْلَمَ وَمَا فِي وَجْهِهِ شَعْرَةٌ»؛ ‏في دلالة على صغر سنه.‏

وجاء في صحيح البخاري قول سعد: «ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام»، وجاء ‏في سبب إسلامه أنه رأى رؤيا تحثه على الإسلام؛ فعن ابنته عائشة أن والدها سعد بن أبي وقاص قال: ‏

‏”رأَيت في المنام، قبل أَن أُسلم، كأَني في ظلمة لا أَبصر شيئًا إِذ أَضاءَ لي قَمَر، فاتَّبعته، فكأَني أَنظر إِلى من سبقني إِلى ذلك القمر، ‏فأَنظر إِلى زيد بن حارثة، وإِلى علي بن أبي طالب، وإِلي أَبي بكر، وكأَني أَسأَلهم: متى انتهيتم إِلى هاهنا؟ قالوا: الساعة، وبلغني ‏أَن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يدعو إِلى الإِسلام مسْتخفيًا، فلقيته في شِعْب أَجْيَاد، وقد صلَّى العصر، فأَسلمت، فما تَقَدَّمني أَحد ‏إِلا هم”.‏

وكان أبو بكر يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه، فكان سعد ممن دعاهم أبو بكر، قال ابن إسحاق: ‏‏«فأسلم على يديه، يعني أبي بكر، فيما بلغني: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بت أبي وقاص، ‏وعبد الرحمن بن عوف، فانطلقوا حتى أتوا رسول الله وسلم ومعهم أبو بكر، فعرض عليهم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن، وأنبأهم ‏بحق الإسلام، وبما وعدهم الله من الكرامة، فآمنوا وأصبحوا مقرين بحق الإسلام، فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا إلى ‏الإسلام، فصلوا وصدقوا رسول الله وآمنوا بما جاء من عند الله».‏

اقرأ أيضًا: أبو بكر الصديق وزير النبي ﷺ ورفيقه وأول الخلفاء الراشدين، قصة إسلامه وخلافته ومواقف خالدة من حياته

وكانت أم سعد معارضة لإسلامه، حيث لمّا علمت بإسلامه هددته أنها لن تاكل وتشرب حتى تموت؛ لكى تجعله يرجع عن ‏الإسلام، فرفض سعد ذلك وأصر على الإسلام، فيقول: “نزلت هذه الآية فيّ (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا ‏تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” سورة لقمان، الآية 15.‏

وكنت رجلًا برًا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد، ما هذا الدين الذي أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت ‏فتعير ‏بي. فقال: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني، قال: فمكثت يوما وليلة لا تأكل، فأصبحت وقد جهدت، فقلت: والله لو كانت لك ‏ألف ‏نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء. فلما رأت ذلك أكلت وشربت، فأنزل الله هذه الآية»‏.‏

مشاهد سعد بن أبي وقاص مع النبي صل الله عليه وسلم

كان سعد أول من أراق دمًا في سبيل الله، حيث كان المسلمون في مكة إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب، واستخفوا بصلاتهم من ‏قومهم، فبينما سعد في نفر من المسلمين في أحد شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من قريش، فناكروهم وعابوا عليهم دينهم، ‏فاقتتلوا، فضرب سعد رجلًا بلَحيِ جمل فشجه، فكان أول دم أُريق في الإسلام، وقيل أن المشجوج هو عبد الله بن خطل.‏

وكان سعد أيضًا من المهاجرين الأوائل إلى المدينة، حيث كانت هجرته قبل قدوم النبي، فعن البراء بن عازب قال: «أول من قدم ‏علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين ‏من أصحاب النبي، ثم قدم النبي صل الله عليه وسلم».‏

ولما هاجر سعد مع أخيه عمير بن أبي وقاص من مكّة إلى المدينة، نزلا في منزل لأخيهما عتبة بن أبي وقاص كان بناه في بني ‏عمرو بن عوف وحائطٍ له، حيث كان عُتْبَة أصاب دمًا بمكّة فهرب فنزل في بني عمرو بن عوف، وكان ذلك قبل البعثة النبوية.‏

شهد سعد بن أبي وقاص جميع المشاهد مع النبي، فشهد غزوة بدر وأحد وثَبُتَ فيها حين ولى الناس، وشهد غزوة الخندق وبايع ‏في الحديبية وشهد خيبر وفتح مكة، وكانت معه يومئذٍ إِحدى رايات المهاجرين الثلاث.‏

كان من الرماة الماهرين، وهو أولُ من رَمى بسهم في سبيل الله، وكان أحد الفرسان الذين كانوا يحرسون النبي في مغازيه، وذلك ‏في سريّة عبيدة بن الحارث في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة إلى المدينة المنورة، وكان معه يومئذ المقداد بن عمرو، ‏وعتبة بن غزوان.‏

كان رسول الله يشير إلى سعدٍ قائلاً: “هذا خالي، فليرني امرؤ خاله”، دعا له الرسول، فقال: “اللهم سدد رميته، وأجب دعوته”. فكان ‏رضي الله عنه مجابَ الدعوة.‏

مشاهد سعد بن أبي وقاص مع الخلفاء الراشدين

لمَّا توفي النبي صلى الله عليه وسلم، واستُخلِف أبو بكر الصديق، كان سعد من جملة جيشه، ولما خرج جيش أسامة بن زيد من المدينة، طمع الأعراب ‏في المدينة، فجعل أبو بكر حراسًا على أنقاب المدينة يبيتون حولها، منهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد ‏الله، وسعد بن أبي وقاص، ثم خرج سعد مع أبي بكر لقتـ.ـال الأعراب بحروب الردة.‏

أرسله الفاروق عمر بن الخطاب لفتح العراق، فخرج إلى العراق في ستة آلاف مقاتل أميرًا عليهم، وأمدَّه عمر بأمداد أُخَرَ حتى ‏اجتمع في القادسية ثلاثون ألفًا، وقيل ستة وثلاثون ألفًا.‏

تولى سعد بن أبي وقاص قيادة المسلمين في معركة القادسية، واستطاع بفضل حنكته العسكرية وتوجيهات أمير المؤمنين عمر بن ‏الخطاب أن يهزم الفرس هزيمة ساحقة.‏

بعد فتح العراق، عهد عمر بن الخطاب إلى سعد بن ابي وقاص رضي الله عنهما، أن يختار مكانًا يبني فيه مدينة لاستقرار ‏العرب، فبنى سعد مدينة الكوفة، وبدأت العرب تذهب إليها وتسكنها، وتولَّى رضي الله عنه ولايتها. وفي سنة 18 هـ بني سعد ‏جامع الكوفة، وفي سنة 20 هـ شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فعزله.‏

اعتزال الفتنة بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان

لمَّا طُعِن عمر بن الخطاب ودنت وفاته، أوصى بأن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي النبي محمد وهو عنهم راضٍ وهم: ‏عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص.‏

وبعد الانتهاء من دفن عمر بن الخطاب، اجتمع أصحاب الشورى، فاختار سعد عبد الرحمن بن عوف وقال: «جعلت أمري إلى ‏عبد الرحمن بن عوف»، وقال الزبير: «جعلت أمري إلى علي»، وقال طلحة: «جعلت أمري إلى عثمان»، ثم عزل ابن عوف ‏نفسه من الأمر، وأخذ يستشير المسلمين حتى اجتمعوا على عثمان بن عفان.‏

كان سعد معتزلًا الفتنة، فبعد مقـ.ـتل عثمان بن عفان، طالبه ابنه عمر بن سعد أن يدعو لنفسه بالخلافة فرفض، وكذلك طالبه أيضًا ‏ابن أخيه هاشم بن عتبة، فلما أصرّ سعد على الرفض، بايع هاشم عليَا. ‏

وكان سعد ممن قعد ولزم بيته في الفتنة، فلم يحضر موقعة الجمل ولا موقعة صفين ولا التحكيم، وأمر أهله ألا يخبروه من أخبار ‏الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على إمام.‏

وفاة سعد بن أبي وقاص

تُوُفِّي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في بيته بالعقيق على بُعد خمسة أميال من المدينة، وذلك عام 55هـ، وقد تجاوز الثمانين، ‏وهو آخر من توفي من المهاجرين.‏

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق