قصة ملك اشبيلية المعتمد بن عباد: أشهر ملوك دولة الطوائف، من حياة القصور إلى ضيق السجون!‏

قصة ملك اشبيلية المعتمد بن عباد: أشهر ملوك دولة الطوائف، من حياة القصور إلى ضيق السجون!‏

مدى بوست – فريق التحرير

أبو القاسم المعتمد على الله محمد بن عبَّاد، يُلقب بالظافر والمؤيد، هو ثالث وآخر ملوك بني عبَّاد في الأندلس، وابن أبي عمرو ‏المعتضد حاكم إشبيلية، كان ملكًا لإشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف قبل أن يقضي على إمارته المرابطون.‏

كان المعتمد بالله فارسًا شجاعًا، وشاعرًا ماضيًا، مشكور السيرة في رعيته، تَلَقَّب بالمعتمد؛ لشدة حبه لجاريته اعتماد الرميكية، ‏وكان المعتمد من الملوك الفضلاء، والشجعان العقلاء، لكنه كان مولعًا بالخمر، منغمسًا في اللذات، عاكفًا على البطالة، مخلدًا إلى ‏الراحة؛ فكان ذلك سبب هلاكه.‏

اقرأ أيضًا: من جارية لملكة خلّدت إشبيلية ذكرها والسبب بيت شعر.. قصّة اعتماد الرميكية وحبّ المعتمد لها ونهايته غير المتوقعة لدى يوسف بن تاشفين في أغمات

اهتم المعتمد بن عباد كثيرًا بالشعر، وكان يقضي الكثير من وقته بمجالسة الشعراء، فظهر في عهده شعراء معروفون، مثل: أبي ‏بكر بن عمَّار وابن زيدون وابن اللبانة وغيرهم. وقد ازدهرت إشبيلية في عهده، فعُمِّرت وشيدت، لكن ملكه لم يدوم، وانتهى به ‏الحال منفيًا في المغرب.‏

المعتمد بن عباد
تعبيرية

نسب المعتمد بن عباد

المعتمد بن عباد هو محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمر بن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم اللخمي أبو ‏القاسم؛ المُلقّب بالمعتمد على الله. ينتمي المعتمد بن عباد إلى أسرة بني عباد، وهم سلالة عربية تعود أصولها إلى مدينة العريش ‏في شبه جزيرة سيناء بإقليم الشام، وهم يُنسبون إلى النعمان بن المنذر حاكم الحيرة قبل النبوة.‏

قدم جد بني عباد إلى الأندلس مع طالعة بلج في بداية القرن الثاني الهجري. وفي مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر ‏الميلادي)، استقلَّ أبو القاسم محمد بن عباد اللخمي بإشبيلية، فبرع في الفقه والقضاء، وحكم إشبيلية لفترة، ثم خلفه فيها ابنه أبو ‏عمرو المعتضد عباد، وأخيرًا حفيده المعتمد.‏

نشأة المعتمد بن عباد

ولد أبو القاسم محمَّد المعتمد على الله في عام 431 أو 432 هـ في مدينة باجة غرب الأندلس، والتي تقع حاليًا بدولة البرتغال. أراد ‏والده المعتضد أن يدرّبه على الحكم منذ سنٍّ مبكرة، فولاه منذ كان عمره 12 عامًا، حاكمًا لمدينة أونبة، ثم عيَّنه قائدًا لجيشٍ أرسل ‏لحصار مدينة شلب والاستيلاء عليها، وفي أثناء قيادة هذا الجيش تعرَّف المعتمد على الشاعر أبو بكر بن عمار، الذي أصبح منذ ‏ذلك الحين من الرجال المقرّبين إليه، وكان له دورٌ كبيرٌ في إدارة دولته.‏

أرسل المعتضد في عام 458 هـ (1066م) ابنيه المعتمد وجابر على رأس جيشٍ لانتزاع مالقة من بني زيري، فحاصراها، إلا إنَّ ‏المدينة قاومت مقاومة شديدة، وبحسب إحدى الروايات فقد سقطت في أيدي المعتمد وأخيه لفترةٍ قصيرة، لكن سرعان ما جاءها ‏بعد ذلك باديس بن حبوس بقوَّة للنجدة.‏

خاض باديس بن حبوس مع بني عبَّاد معركة شديدة، فقتل وأسر الكثير منهم، وفرَّ المعتمد وجابر مع ما بقي من جيشهما إلى رندة. ‏وقد غضب المعتضد كثيرًت من ابنيه لهزيمتهما، فكتب إليه المعتمد من رندة أطول قصائده على الإطلاق ليستعطف والده، ‏وفاتحتها: (سكّن فؤادك لا تذهبْ بك الفِكَرُ ماذا يُعيد عليك البتُّ والحذرُ؟)‏

تولي المعتمد حكم إشبيلية وقرطبة

تُوُفِّيَ المعتضد سنة (461هـ=1069م) وآل حُكم مملكة إِشْبِيلِيَة إلى ابنه أبي القاسم محمد بن عباد، وتلقَّب بالظافر بحول الله والمؤيد ‏بالله والمعتمد على الله، وكان المعتمد يوم أن جلس على كرسي والده فتًى في ريعان شبابه في الثلاثين من عمره.‏

يُعَدُّ عصر المعتمد في الأندلس من أشهر عصور الطوائف على الإطلاق، وكان أول عمل تضلَّع له المعتمد بن عباد أن تدخَّل ‏وبصورة مباشرة في شئون قرطبة؛ ليحسم الخلاف ويُحَقِّق حلم آبائه في تملُّكها، وهذا ما حدث له بالفعل سنة (462هـ=1070م)، ‏وكانت بينه وبين المأمون بن ذي النون (ملك طليطلة) مساجلات، وألعاب سياسية تحت الستار.‏

كان المعتمد بن عباد على عِلْم بما تُضمره له القبائل البربرية في الأندلس وخاصة في غَرْنَاطَة، صاحبة المساجلات العسكرية ‏الشرسة مع إِشْبِيلِيَة، وبالتالي سَيَّر المعتمد قوَّاته ناحية غَرْنَاطَة للسيطرة على ممتلكاتها وضَمِّها لنفسه، واستطاع ضمَّ جَيَّان أهمَّ ‏قواعد غَرْنَاطَة الشمالية سنة (466هـ=1074م)، كما استطاع أن يستولي على معظم أراضي طُلَيْطِلَة الجنوبية الشرقية من المعدن ‏شرقًا حتى قونقة، واستولى على مُرْسِيَة وبَلَنْسِيَة من يحيى القادر بن ذي النون.‏

المعتمد بن عباد في ميزان الخير والشر

كان المعتمد بن عباد رجل المتناقضات، اجتمع فيه الخير والشر، بعض مواقفه وصلت به لأعلى مدراج العظمة، ومواقف أخرى ‏نزلت به إلى أخسِّ دركات البشرية.‏

من مواقف الخير

كان المعتمدُ بن عباد ملكًا شجاعًا، وفارسًا مغوارًا، عرفته ميادينُ الكفاح، وألفته ساحاتُ الجهاد، وقد أظهر في معركة الزلاقة من ‏البلاءِ الحسن، وصدقِ العزيمة في الحرب، وشدة الصَّبرِ على مكاره الهيجاء ما حفظه له التاريخُ، وأثنى به عليه رواتُه الصَّادقون.‏

استعان المعتمد بأمير المرابطين في “العدوة” المغربية يوسف بن تاشفين، يستنصره ويتقوَّى به، عندما شعر أن خطر الممالك ‏النصرانية محدق بدولة الطوائف، وعندما حاول البعض أن يحذره من يوسف بن تاشفين، ويخوفوه بضياع ملكه، قال كلمته ‏المشهورة التي بقيت تتحدى النسيان: “رعي الجمالِ خير من رعي الخنازير”.‏

أيضًا كان المعتمد بن عباد من أهل الشعر والأدب، فكان شاعرًا فحلاً، أندلسيَّ الطَّبع، رقيقَ الدِّيباجة، سريع البديهة، ظريفًا محببًا.‏

من مواقف الشر

من مواقف الشر ما وقع له مع ابنِ جهور، وملَّخصُ القصةِ: “أنَّ أميرَ قرطبة عبد الملك بن جهور احتاجَ إلى الاستعانةِ بالمعتمد بن ‏عباد ليدفعَ عنها مَنْ أغارَ عليها، فجاءتْ جيوشُ المعتمد ورابطَتْ بظاهر قرطبة، “وأقاموا بها أيامًا يحمون حماها، وأعينهم تزدحم ‏عليه، ويذبُّون عن جناها، وأفواههم تتحلبُ إليه”، كما يقول ابن بسام الشنتريني، لما انصرفَ العدوُّ عن قرطبة، لم يرع ابن جهور ‏إلا عساكر المعتمد تغدرُ به، بعد أن كانت حليفةً له، مظهرةً ودَّه، فاحتلُّوا بلادَه، وقبضوا عليه وعلى إخوتِه وأهلِ بيته، أذلاء ‏منتهكي الحرمة”.‏

من ذلك أيضًا ما حدث له مع وزيرِه أبي بكر محمد بن عمار المهري، الذي كان صفيَّه وخليلَه، ثم وقع منه ما وقع، فسجنَه ولم يرق ‏لاستعطافِه، ثم ذبحه صبرًا فيما ينقل المؤرِّخون، وما أشبَه هذا بأساليبِ عتاةِ المستبدِّين من الملوك والسَّلاطين.‏

بالإضافة إلى قصته مع اعتماد الرميكية، وهي جاريةٌ شغف بها المعتمد، فهتك من أجلِها أستارَ محاسنِ الأخلاق التي يتحلَّى بها ‏أهلُ الحزم من الملوك، وأرباب العزائم من الرِّجالِ.‏

أما أسوأ هذه المواقف، فتحالفه مع ألفونسو السادس، طاغية النصارى، لرد حصار ابن تاشفين عن مدينتِه، يقول ابنُ خلدون: ‏‏”واستنجد الطَّاغية فعمدَ إلى استنقاذِه من هذا الحصارِ فلم يغنِ عنه شيئًا، وكان دفاع لمتونة مما فتَّ في عضدِه، واقتحم المرابطون ‏إشبيليةَ عليه عنوةً سنة أربع وثمانين، وتقبض على المعتمد وقاده أسيرًا إلى مراكش”.‏

سقوط إشبيلية في يد دولة المرابطين

كانت دولة المرابطين دولة قوية بسطت نفوذها بالمغرب، فاستعان المعتمد بن عباد بأميرها يوسف بن تاشفين، لرد خطر ‏القشتالين، فكانت معركة الزلاقة، وهي من أهم المعارك في تاريخ الأندلس، وانتصر فيها المسلمين على القشتالين.‏

وعندما شاهد يوسف بن تاشفين عند نزوله الأندلس ما عليه أمراؤها من فُرقة وتنابذ وميل إلى اللهو والترف ورغبة في الدعة، ‏وانصرافهم عن الجهاد والعمل الجاد، وإهمال للرعية وتقاعس عن حماية الدين والوطن من خطر النصارى المتصاعد، وعودة ‏بعض ملوك الطوائف إلى التحالف مع ألفونسو ضد المرابطين أنفسهم، فعزم على الإطاحة بهم.‏

عزز من هذه الرغبة فتاوى كبار الفقهاء من المغرب والأندلس بوجوب خلع ملوك الطوائف؛ حماية للدين ووقوفا ضد أطماع ‏القشتاليين، وكان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي وأبو بكر الطرطوشي على رأس القائلين بهذه الفتوى.‏

عبر يوسف بن تاشفين بجيش ضخم إلى الأندلس، فسقطت غرناطة ثم إشبيلية والجزيرة الخضراء وبقية المدن الأندلسية بعد ‏محاولة فاشلة لاسترداد طليطلة، وتمكن من أسر عدد من هؤلاء الملوك وعلى رأسهم المعتمد بن عبّاد.‏

نفي المعتمد بن عباد إلى المغرب

اقتيد المعتمد وعائلته أسرى من إشبيلية، وأُخِذُوا إلى المغرب حيث قرَّر يوسف بن تاشفينَ نفيهم، فمكثوا أولاً في طنجة لفترةٍ ‏وجيزة، حيث التقى المعتمد ببعض شعراء المدينة، ومن أبرزهم أبو الحسن بن عبد الغني الفهري الذي أهداه كتابه “المستحسن من ‏الأشعار”، فكافأه بمبلغٍ مما تبقَّى معه من المال. تسبب ذلك بتهافت باقي شعراء طنجة عليه حالما سمعوا بالخبر رجاءً للمكافآت، ‏فردَّهم المعتمد، وكتب شعرًا إجابة لهم يرثي فيه حالَه وما آل إليه. ‏

نُقِلَ المعتمد مجددًا من طنجة إلى مكناسة ليمكث شهورًا عدَّة، وقد أورد ابن الطوسي في كتابه الاستبصار فيما اختلف من الأخبار ‏أنه نقل أيضًا إلى قلعة فازار في جبال المغرب، رغم أن ذلك لم يرد في معظم المصادر الأخرى. ‏

في نهاية الأمر، نُقِلَ المعتمد أخيرًا، مع بعض ملوك الطوائف السابقين الآخرين، إلى أغمات، حيث قضى آخر أيام حياته في ‏الأسر بظروفٍ مزرية ومعاملة سيئة، ولعلَّه ممَّا ساهم في إساءة معاملته، على عكس أمراء بني زيري، أن ابنه عبد الجبار حاول ‏شنَّ ثورة على المرابطين بعد سقوط إمارة بني عباد. ‏

وربَّما يكون سبب نقل المعتمد إلى أغمات هو إبعاده عن سواحل الأندلس، بحيث لا يكون الفرار عليه سهلاً، ولا الثورة على ابن ‏تاشفين. وقد قال شاعر المعتمد ابن اللبانة في وصف رحيله عن إشبيلية:‏

حان الوداعُ فضجّت كل صارخةٍ         وصارخٍ من مُفداة ومن فادِي

سارت سفائنُهم والنوْحُ يتبعها            ‏ كأنها إبل يحدو بها الحادي

كم سال في الماء من دمعٍ وكم حملت       ‏ تلك القطائعُ من قطعاتِ أكبادِ

وفاة المعتمد بن عباد

المعتمد بن عباد، أشهر ملوك دولة الطوائف التي قامت في الأندلس في القرن الخامس الهجري، بعد انهيار دولة الخلافة الأموية، ‏اشترك مع يوسف بن تاشفين في تحقيق النصر على القشتاليين في معركة الزَّلاَّقة، ثم زالت دولته على يد شريكه في النصر بعد ‏أن دخل قرطبة، ومات المعتمد بن عباد غريبًا في منفاه بـ”أغمات” بالمغرب.‏

تعليقات فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق