لم يقبل النعمان بتزويج ابنته لكسرى الفرس فكانت بداية الحـ.ـرب.. قصّة يوم “ذي قار” الذي “انتصفت فيه العرب من العجم” وتساءل كسرى عن سر انتصار “الأعراب الأجلاف”؟

مدى بوست – فريق التحرير

كان النعمان بن المنذر ملكاً للحيرة، وعاملاً للأكاسرة الفرس على العرب، وكان هناك رجلاً يدعى زيد ابن عدي وهو أحد الرجال الذي وجهه النعمان إلى مجالس الأكاسرة.

كان الهدف من وجود زيد بن عدي، ليكون ترجماناً ومرافقاً للرسل الذين يحملون الرسائل بين الطرفين، فإن أراد كسرى أن يبعث برسالة للنعمان أرسلها مع زيد، وإن وصلته رسالة من النعمان ترجمها زيد.

كان لدى كسرى ملك الفرس، ورقةً مكتوب فيها صفات النساء اللاتي يتزوج بهن الأكاسرة، مثل أنه يجب أن تكون السيدة ” كحلاء، عيناء، دعجاء”، إلى آخره من الصفات المعينة التي يجب أن تكون موجودة بالسيدات ليتزوج بها كسرى.

البداية.. كسرى يريد الزواج بإحدى بنات النعمان 

وفي يوم من الأيام، أراد كسرى ملك الفرس أن يتزوج، وأعطى الرسالة تلك إلى أحد عماله من أجل أن يبحث له عن تلك الصفات في سيدة كي يتزوج بها.

وكان في المجلس زيد بن عدي، وقد سمع ما طلبه كسرى، ولما تأكد أن كسرى سيبحث عن السيدة في أرض الفرس، فاقترح زيد على كسرى أن لا يبحث عن السيدة وأن يطلبها من أحد عماله وهو “النعمان بن المنذر” ملك الحيرة مشيراً إلى أن تلك الصفات موجودة في أخوات وبنات وعمات النعمان بن المنذر، وخاصة ابنة للنعمان اسمها هند.

أطلال مملكة الحيرة في العراق

الغرض الذي أراده زيد بن عدي من ذلك الترشيح لكسرى، هو أن يجعل العلاقة تسـ.ـوء بين النعمان بن المنذر وكسرى الملك، كون النعمان وإن كان قد قدّم زيد وجعله رسولاً لمجلس كسرى، إلا أنه قتـ.ـل والد زيد وكان زيد مازال يطــلب الثـ.ـأر دون أن يصرح بذلك كونه لا طاقة له على النعمان.

وعلى الرغم من أن كسرى كان ملكاً وإمبراطوراً لدولة الفرس، إلا أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا يتفاخرون في مصاهرة العجم، سواء كانوا من الروم أو الفرس، فكان لديهم أنفة عن ذلك، وزيد بن عدي يعلم ذلك جيداً، وهو يعلم أن النعمان لن يقبل بطلب كسرى.

وأشار زيد بن عدي على كسرى أن يرسل للنعمان الورقة ويطلب منه أن يجد له زوجة بهذه الصفات، وبالفعل أرسل كسرى رسوله ومعه زيد بن عدي.

ولما دخل رسول كسرى وزيد إلى النعمان، لم يجل في بال ملك الحيرة أن زيد أوقـ.ـع به لدى كسرى، وهو وراء هذا الطلب بالأساس، فكان يتكلم وهو في راحة، فرسول كسرى لا يجيد العربية والمترجم هو زيد، والمفروض أنه سينقل الكلام الهام وليس أي عبارات.

وبعد أن قرأ عامل الأكاسرة الورقة، وترجمها زيد، علم النعمان بن المنذر أن قول “لا لكسرى” أمراً ليس سهلاً، ولما علم من زيد أن كسرى يبحث عن زوجته في أهل النعمان بين بناته وشقيقاته (قيل أنه طلب هند زوجة له وبعض البنات زوجات لأولاد الأكاسرة) قال النعمان :” ألم يجد كسرى هذه الصفات في مها السواد وعين فارس”، أي ألم يجد في بنات فارس حاجته.

ولم يكن رسول كسرى الفارسي يعلم ما المقصود بمها السواد وعين فارس، فسأل زيد بن عدي بالفارسية، ماذا يقصد، فقال له زيد :”كاوان” أي البقر، فتغير وجه الفارسي من مقولة النعمان التي قصد بها أن الفارسيات بعينه بقر.

فقال زيد للنعمان، إن كسرى أراد كرامتك (أي أراد مصاهرتك وتقريبك منه)، فأجابه النعمان أن هذه الصفات ليس لدينا، ويا زيد اعـ.ـذرني عند الملك كسرى، أي التمس لي عـ.ـذراً لديه.

ما إن وصل زيد والرسول الفارسي إلى كسرى، قال له زيد أن يخبره بكل ما سمعه، وخاصة موضوع الكاوان الذي قاله النعمان.

ولما دخلا على كسرى، أخبراه بما كان من النعمان بن المنذر، وما قاله عن “نساء الفرس”.

ولا تعتبر هذه المرة الأولى التي يطلب فيها كسرى أمراً من النعمان ولا يجيبه، فسبق أن طلب كسرى حصاناً بالاسم من النعمان بن المنذر، وقال له أريد حصان فلان، فلم يجبه النعمان وقال له أن العرب يتنقلون، ولا ليس بقدرتي أن أصل إليه، فكان النعمان يأنف عن طلبات الأكاسرة.

بعد ذلك، أمر كسرى بأن يتم تجهيز الجيوش كي يتم الخروج إلى النعمان بن المنذر، وكان بعض العرب التابعين للفرس في مجلس كسرى، فأشاروا عليه أن لا يخرج جيشاً كبيراً وأن سرايا صغيرة كافية لتأديب العرب فهم ليسوا بإمبراطورية مثل الفرس.

الممثل السوري أسعد فضة والذي لعب دور النعمان بن المنذر في مسلسل سوري

النعمان بن المنذر يطلب “اللجـ.ـوء” من قبائل العرب

بعد ذلك، أرسل كسرى يطلب النعمان بن المنذر إلى مجلسه، ولما وصل الأمر للنعمان، طاف بقبائل العرب وبدأ يطلب منها أن يدخل في جوارها وحمايتها.

فذهب النعمان إلى قبائل طي وطلب منهم أن يدخل في جبلهم لكنهم لم يقبلوا ذلك، وكذلك ذهب إلى قبيلة “عبس” فلم تقبل طلبه، وأخبرته أنها تقف إلى جانبه في القتـ.ـال إن حصل.

ومضى ملك الحيرة إلى قبائل العرب إلى أن وصل إلى قبائل بني شيبان من بكر ابن وائل، وكان سيدّهم هاني بن مسعود، وقد أجار الملك النعمان وأدخله في جواره.

وفي إحدى الليالي كان هاني يجلس مع النعمان، وقدّم له نصيحة، فقال له إن الرجل يقبل مهما كان له إلى ما كان عليه اليوم، إلا أن يكون بعد الملك سـوقة، وهذا يجعل العرب تتجـ.ـرأ عليك.

النعمان بن المنذر في مجلس كسرى 

واقترح هاني بن مسعود على النعمان أن يجمع الهدايا ويتجه إلى كسرى، ويقدمها له، فإما قبلها منه وعفى عنه وأعاده ملكاً، وإما قتـ.ـله وهو ملك.

فسأل النعمان بن المنذر عن نسائه، فأخبره هاني بن مسعود أن النساء في جواره، وأنهن بين نساء قبيلته ولن يصل لهن إلا ما يصل لنساء قبيلته.

وافق النعمان على ذلك، واتجه إلى كسرى، ولما وصل إلى قصره، رأى زيد ابن عدي على باب القصر، فقال زيد للنعمان “انج نعيم (تصغير لاسمه) والله لقد عقدت لك عقدة لا يقـ.ـطعها المهر الأرن” والمهر الأرن هو “المهر النشيط”.

فأجابه النعمان لما علم أنه خلف كل ما يجري، “والله إن نجوت يا زيد لأقتـ.ـلنك”.

ولما دخل النعمان على كسرى، بدأ ملك الفسر يعد على النعمان المواقف التي كانت بينهما، مثل طلبه للحصان ثم الزوجة وغير ذلك، فأجابه النعمان أن افعل ما تراه.

ويقال أن كسرى دخل عليه الفيلة ومـ.ـات تحت أقدامها، ويقال أنه مـ.ـنع عنه الطعام حتى مـ.ـات، دون وجود رواية واحدة ثابتة لنهـ.ـاية النعمان.

بعد ذلك، أرسل كسرى إلى هاني بن مسعود وقبائل بني شيبان يطلب منهم “ودائع النعمان (خيول وأموال) ونساءه”، فقام هاني بن مسعود بطـ.ـرد رسل كسرى، وأخبرهم أن أمانة النعمان لا يأخذها سوى النعمان نفسه.

عين كسرى بعد ذلك إياس ابن قبيصة ملكاً على الحيرة بدلاً من النعمان، وبدأ كسرى بالتجهيز لتأديب العرب الذين خـ.ـرجوا عن الطاعة.

وكان في مجلس كسرى رجل تغلبي من قبائل تغلب يدعى النعمان بن زرع التغلبي وهو ابن عم بكر ابن وائل لكن بعد ما فعله جساس لكليب لم تعد العلاقة بين تغلب وبكر جيدة وأراد أن يبـ.ـيدهم كسرى فأشار عليه أنه إذا جاء الصيف فهناك ماء “ذي قار” تأتي إليه قبائل العرب وعلى رأسها قبائل بكر بن وائل التي يعتبر الماء لهم.

صورة تعبيرية

ولما سمع كسرى الرأي، أرسل إلى إياس بن قبيصة يسأله عن رأيه، فأشار عليه أن يرسل بعض الطلائع البسيطة ليتخبرهم، ولما وصل الرد لكسرى وسأل النعمان التغلبي عن قوله قال إن أخوال إياس من قبائل بكر بن وائل وأراد أن ينجيهم.

وأشار النعمان التغلبي عليه أن يرسل جيشاً كبيراً لينهي أمر قبائل بكر بن وائل بشكلٍ نهائي، وبالفعل أمر كسرى بتجهيز الجيش، وأخرج معه كتيبتين مشهورتين كان اسمهما “الشهباء و “الدوسر” وكانت خيولهم حديد ورجالهم يلبسون حديد، بالإضافة لـ 3 آلاف عربي كانوا تحت راية كسرى بمقابل مادي.

وكان أيضاً بين جيش كسرى بعض “الهامرز” وهم قادة أصحاب شأن كبير في جيش الفرس، وكان كل منهم يخرج على ألف فارس، وأخرج معهم ألف ناقة كانت قافلة إلى اليمن.

وبالفعل، جاء الصيف، وأتى هاني بن مسعود مع قبيلته إلى ماء ذي قار، وبدأوا يتشاورون في أمرهم، وبدأت تأتي طلائع الفرس إلى ذي قار.

وكان من بين الطلائع النعمان التغلبي الذي كان أخواله من بكر بن وائل، فذهب إليهم بنفسه قبل أن تصل الطلائع، وقال لهم :” إنكم أخوالي، والرائد لا يكـ.ـذب أهله، وقد أرسل لكم كسرى أحرار فارس وفرسان العرب وكتيبتي الشهباء والدوسر وجند لا قبل لكم بهم، وإن في هذا الشـ.ـر لخيار، فادفعوا إليه ما يريد”.

وكان كسرى قد طلب من النعمان التغلبي أن يطلب من العرب قبل أن يبدأ بحـ.ـربهم بنات النعمان وعلى رأسهم هند، وودائعه، فإن قبلوا فليحضر فوقهم 100 من رجال بكر ابن وائل لكسرى.

حنظلة بن ثعلبة، وهو من أسياد بكر بن وائل، لما سمع كلام رسول كسرى، قال له :” قبـ.ـح الله رأيك، والله لا تجر أحرار فارس كما تـ.ـزعم أرديتها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع” أي لا يدخلون الأرض وأنا حي، وأضاف لولا أنك رسول لما تركتك سالماً، وأمر ببناء قبته على ماء ذي قار.

ويقال أن بني شيبان بن وائل كانوا قد أسـ.ـروا مجموعة من رجال بن تميم لديهم، ولما سمع أولئك الأسـ.ـرى بما يجهزه الفرس لهم وبقصة بنات النعمان، طلبوا من هاني بن مسعود أن يخليهم ليشاركوا معه، قائلين لو كنا في أهلنا لأتيناكم، أما ونحن بينكم فلا بد من مشاركتنا معكم، وقد كان ذلك.

وبعد ذلك، بدأت رسل بكر ابن وائل تذهب للقبائل العربية وتقول لهم أن من يرضى أن تسلم بنات النعمان بن المنذر لكسرى فلا نريد عونه، ومن لا يقبل فليساندنا، وقد لبت معظم القبائل العربية ذلك النداء.

ويحكى أن ذي قار تزامنت مع دعوة الإسلام التي أتى بها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعض العرب يمرون بجوار ذي قار، فبعضهم لما شاهد تجمع العرب عند ذي قار، سألوا عن الأمر، ولما علموا أن العرب تجتمع من أجل منــ.ـع تسليم بنات النعمان لكسرى صاروا يبقون للمشاركة، وثم يكملون إلى مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

تراجع فرسان العرب من صفوف كسرى 

وكان هناك 3 آلاف فارس عربي بين جيش كسرى، ولما رأوا أن العرب كلها اجتمعت مع بكر بن وائل لملاقاة الفرس، لم يقبلوا أن يكونوا ضـ.ـد العرب كلّهم في صف كسرى، فأرسلوا لهاني بن مسعود يقولون له، نخيرك باثنتين، إن أردت انسحبنا ولن نشارك كسرى من الآن، وإن أردت حضرنا المعـ.ـركـ.ـة وإذا حمي الوطـ.ـيس انسحبنا، فأشار عليهم بالثانية حتى يوهـ.ـن همم الفرس.

ولما بدأ التجهز لبداية ذي قار، وضع العرب ماء ذي قار خلفهم، واصطفوا لملاقاة الفرس، ويحكى أن أحد أساورة الفرس (رتبة بالجيش أقل من الهرمز) خرج للمبارزة، فخرج له أحد الأعراب وكان لا يرتدي ملابس مثل التي يرتديها الفارس، بل مجرد ثوب وليس بلباس حـ.-رب، فخرج للقائد الفارس وقتـ.ـلـ.ـه وأخذ لباسه وعاد.

ولما خـ.ـارت عزيمة الفرس، أمر قائدهم الهامرز أحد الأساور الأخرين أن يخرج للمبـ.ـارزة، فخرج له ابن هاني بن مسعود وقـ.ـتلـ.ـه، فغـ.ـضـ.ـب الهامرز وخرج بنفسه، فخرج له هاني بن مسعود وتمكن منه وبدأ التخـ.ـبط بجيش الفـرس.

فأمر إياس بن قبيصة الطائي الجيش بالتقدم، لكن القبائل العربية  (إياد عباد طي) التي كانت مع الفرس انسحـ.ـبت مثل ما وعدت هاني بن مسعود، فزاد الخـ.ـوف في صفوف الفرس، وهـ.ـرب إياس.

انتهى اليوم الأول من أيام ذي قار بانتصار العرب، وتم الإمساك بالنعمان التغلبي، لكن أحد أقاربه أعطاه فرس وخلى سبيله.

وفي اليوم الثاني والثالث كذلك انتصر العرب، فبدأ الفرس يهـ.ـربون والعرب يتبعونهم حتى تحقق لهم النصر الكامل.

صورة تعبيرية

العرب ينتصرون بوحدتهم 

 بعد نهاية ذي قار دخل إياس بن قبيصة على كسرى وكان يعلم أن كسرى يقـ.ـتل كل من يأتي إليه بخبر هـ.ـزيمة، وكانت طريقته “نـ.ـزع الأكتاف”.

ولما كان  إياس على علم بذلك، دخل إلى كسرى وأخبره أنه تم الانتصار على بكر ابن وائل، وتم أخذ النساء وهم في طلائع الجيش خلفه، فأكرمه كسرى وأعطاه الهدايا، وخرج إياس من مجلس وهــ.ـرب.

ثم جاء أحد إخوة إياس ابن قبيصة لمجلس كسرى، وسأل إن كان أحد قبله قد دخل لمملك، فأجابوه أن أخاه إياس كان عنده فعلم أن إياس قد كـ.ـذب وذهب.

وروى أخو إياس ما حدث لجيشه في ذي قار، فأمر كسرى بأن يتم نـ.ـزع أكتافه، ثم وقف وقال :” الأجلاف الأعراب هـ.ـزموا جيش الفرس، كيف لهم هذا؟”.

وكان أحد وزراء كسرى حاضراً، وسمع ما قاله، فأجابه أن “هؤلاء الأعراب إذا اجتمعوا على راية لا يمكن عليهم، فدعهم في فـ.ـورة نصرهم الآن حتى يفتـ.ـرقوا”.

ويقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وصله نبأ نصر ذي قار للعرب، قال :”ذاك يوم انتصفت فيه العرب من العجم”.

وتعتبر ذي قار من أهم المعـ.ـارك بين العرب والفرس قبل الإسلام، إلى أن جاء الإسلام وتم فتح بلاد فارس في عهد الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

تعليقات فيسبوك
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق