من جارية لملكة خلّدت إشبيلية ذكرها والسبب بيت شعر.. قصّة اعتماد الرميكية وحبّ المعتمد لها ونهايته غير المتوقعة لدى يوسف بن تاشفين في أغمات

مدى بوست – فريق التحرير

تحدثنا في تقريرٍ سابق عن قصّة دخول القائد المسلم الأمازيغي يوسف بن تاشفين إلى الأندلس ولقائه الشهير في “الزلاقة” مع ملك قشتالة “ألفونسو السادس، وانتصاره العظيم.

كان يوسف بن تاشفين قد جاء بدعوة من ملوك الطوائف، وكان أبرزهم وأقواهم ملك قرطبة وإشبيلية “المعتمد بن عباد”، واسمه الحقيقي محمد بن عباد، وهو محل قصّتنا اليوم، ولعل للقبه النصيب الأكبر من قصّته، فقد سمّى نفسه نسبةً لحبيبته وزوجته التي كانت جارية.

يختلف كثيرون في شخصية المعتمد بن عباد، فبين من يراه رجلاً مسلملاً صالحاً ويذكر أبرز محاسنه التي كانت باستدعاء يوسف بن تاشفين وقوله “رعاية إبل بن تاشفين أحب إلي من رعاية خنازير ألفونسو”، وبين من يراه فـ.ـاسداً بعد أن استعان بالصليبيين لحـ.ـرب المرابطين عندما جاؤوا لضم الأندلس للدولة المرابطية.

سنركز في هذا التقرير على حياة المعتمد بن عباد، ولا سيما حياته مع زوجته اعتماد الرميكية التي تعرف عليها كجارية تغسل الملابس قرب النهر، ثم صارت زوجة وحبيبة هام بها.

حب محمد بن عباد للجارية اعتماد الرميكية 

في يومٍ من أيام الأندلس، كانت جارية الرميك بن حجاج واسمها “اعتماد” وكنيت بالـ”رميكية” نسبة لصاحبها، تغسل الملابس على طرف نهر الوادي الكبير وقربه بعض المتزهات الإشبيلية.

نهر الوادي الكبير في إشبيلية (إنترنت)

وفي ذاك اليوم، كان محمد بن عباد (الملقب لاحقاً بالمعتمد) وهو ابن المعتضد حاكم قرطبة وإشبيلية يتجول مع شاعره وصديقه ابن عمار، وكان المعتمد قد اعتاد أن يقول شطراً من بيت شعر لصاحبه فيجيزه الآخر ويكمله معه.

وأثناء تنزههم في منتزه اسمه “مرج فضة”، نظر محمد بن عباد لنهر الوادي الكبير، وارتجل شطراً من الشعر قال فيه :” صنع الريح من الماء زرد”، وطلب من ابن عمار أن يكمله كما كانت العادة.

لكن ابن عمار وهو من شعراء زمانه العظماء لم يتمكن من إكمال البيت، وفي تلك الأثناء كانت الجارية اعتماد الرميكية تسمعهم وهي تغسل الملابس، فردت على المعتمد وأجازت شطره لتجعله بيتاً كاملاً فقالت :” أي درعٍ لقـ.ـتـ.ـال لو جمد”.

نظر محمد بن عباد لصاحبة البيت، فرأى حسناً وجمالاً قل ما شاهده، وأضيف لذاك الجمال سرعة بديهة وفصاحة كبيرة جعلتها تجاريه وهو من شعراء عصره.

فلما رأى ابن عمار إعجاب بن عباد بالجارية، قال له اشتريها وضمّها لجواريك، فلم يقبل بن عباد بل أعتقها ثم تزوجها من عظيم حبه لها.

الثلج يأتي من أجل اعتماد الرميكية 

دخلت اعتماد الرميكية حياة وقلب محمد بن عباد، وعاشت معه في قصور والده المعتضد بن عباد، ويحكى أنها شغلته عن الدنيا والدولة وأهله، حتى ذهب أباه في يوم من الأيام إليهم في قصرهم من أجل ان يفـ.ـرق بينهم وقد كان لديهما طفلاً، فلما علم محمد بن عباد بقدوم والده لذاك الغرض، طلب منها أن تستقبل أباه على باب القصر استقبالاً حسن وتقدم له حفيدته حتى يرق قلبه لهما، وبالفعل كان ذلك.

بعد أن رحل المعتضد، أصبح محمد بن عباد هو حاكم إِشبيلية وقرطبة، وكانت اعتماد هي السيدة الأولى في تلك الفترة، وصاحبة رأي كبيرٍ في الحكم.

ولكثرة الحب الذي أبداه محمد بن عباد للرميكية، كنّى نفسه باسمها فصار لقبه “المعتمد على الله”، وقد كان قبل ذلك يعرف بلقب “المؤيد بالله”.

اقرأ أيضاً: عندما انتصر “الأعراب الأجلاف” على الفرس.. يوم “ذي قار” الذي انتصفت فيه العرب من العجم” واجتمعوا من أجل امرأة أراد كسرى الزواج بها

كان المعتمد على الله حريصاً على تحقيق كافة أمنيات اعتماد الرميكية، فلم يخطر على بالها شيء إلا وكان لها، إلى أن رأت اعتماد الرميكية في أحد الأيام هطول الثلج لأول مرة في قرطبة، وكان منظره ساحراً وبديعاً، فحـ.ـزنـ.ـت اعتماد.

سألها المعتمد عن ما بها، فأجابته :”إنك طـ.ـاغـ.ـية جبـ.ـار غشـ.ـوم، انظر إلى جمال ندف الثلوج اللينة العالقة بغصون الأشجار، وأنت أيُّها النـ.ـاكر للجميل لا يخطر ببالك أن تُوفِّر لي مثل هذا المنظر الجميل كل شتاءٍ ولا تصحبُني إلى بلدٍ يتساقط فيه الثلج كل شتاء».

فقال لها المعتمد: «لا تحـ.ـزني ولا تستسلمي لليـ.ـأس يا سلوة النفس ومنية القلب، فإنِّي أعِدُكِ وعداً صادقاً أنك سترين هذا المنظر الذي أدخل على قلبك السرور كل شتاء».

ثم أمـر المعتمد بزرع أشجار اللوز على جبل قرطبة، لتبدو عند طلوع أزهارها كأنها مُغطَّاة بالثلوج وتُسر اعتماد بذلك.

أزهار شجر اللوز (إنترنت)

ولم يكن جلب ما يشبه الثلج لتسر اعتماد هو الأمر الوحيد الذي قام به المعتمد بن عباد من أجل إدخال السرور على قلب حبيبته اعتماد الرميكية، وهو المعتاد على تقديم الهدايا الفاخرة لإرضائها.

يوم الطين.. صار مثلاً على مر الزمن

ففي يومٍ من الأيام، شاهدت الرميكية مجموعة من السيدات الفقيرات يلعبن بالطين مع بناتهن، فجلست مكـ.ـدرة الخاطر، فلما سألها المعتمد عن ما بها، وتحدثت له قال لها سيكون لك.

ولأنها زوجة ملك وليس من المقبول أن تنزل الطين مثل العامة، أمر المعتمد أن يجمع لها أفخر أنواع الطيب والكافور والعنبر وماء الورد وتمزج ببعضها حتى تصبح مثل الطين، ثم تفرد في ساحة القصر، فنزلت اعتماد لعبت به مع بناتها محاكيةً حياتها القديمة قبل الإمارة والملك.

قصر المعتمد بن عباد في إشبيلية (إنترنت)

بعد أن دخل يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، بعد استدعاء كبار العلماء له من أجل توحيد البلاد التي كثر فيها الفسـ.ـاد من ملوك الطوائف، كانت اعتماد الرميكية من أهم الأمور التي تحدثوا فيها، فكان إسـ.ـراف المعتمد لإرضـائها ذائعاً في البلاد ويشكل غضــ.ـباً لدى رعيتها.

ولما دخل يوسف بن تاشفين مع رجال الدولة المرابطية إلى الأندلس في عام 1091 للميلاد، تمكنوا من أخذ حكم قرطبة وإشبيلية، وأسـ.ـروا المعتمد على الله واعتماد وأولادهما وارسلوهم لعاصمة الدولة المرابطية في المغرب.

أقام المعتمد واعتماد وأسرتهم فترة في طنجة، ثم مكناسة، وتم وضعهم تحت الإقامة الجبـ.ـرية في أغمات المغربية، وكانوا في منزلٍ فقير ويعملون أعمالاً يدوية في منزلهم من أجل تأمين لقمة العيش.

إعلامي لبناني شهير يتـ.ـوعد نانسي عجرم “يا ويلها مني إذا؟”.. والفنانة تنشر “علامة النصر” بعد التحقيق مع زوجها الذي كشف وجود مكالمات بين الموسى وعيادته

وبعد النعيم والتـ.ـرف في قصور الأندلس، عاشت عائلة المعتمد في منزل فقير، ولأن الفقر مولداً للمشـ.ـاكل والخـ.ـلافـ.ـات لم يخلو بيت المعتمد منه، فاختـ.ـلف مع زوجته في أحد الأيام، فقال له :” والله ما رأيت منك خيراً قط” فأجابها المعتمد ” ولا يوم طين” وهو يشير ليوم جعل لها الطيب والعنبر طيناً لتمشي عليه، فاعتـ.ـذرت اعتماد منه وعادت عن كلامها.

ومنذ ذلك اليوم أصبحت عبارة “ولا يوم طين” من أشهر الأمثال التي يرد بها الناس على الأشخاص الذين يجـ.ـحـ.ـدوهم فضلهم معهم، وذلك من الشائع بين بعض النساء حول العالم أجمع، ولعل المعتمد على الله نطق بأسلنة الرجال في تلك اللحظة.

اقرأ أيضاً: بـ30 ألفاً انتصر على 100 ألف لم يبقى منهم سوى العشرات وملك بلا ساق.. القائد يوسف بن تاشفين باني مراكش ومؤخّر سقـ.ـوط الأندلس لقرون بالـ”الزلاقة”

ولم تطل إقامتهم في حال الفقر، فرحلت اعتماد في مدينة أغمات عام 1095 أي بعد 4 أعوام فقط، ولحق بها المعتمد بعد 4 أشهر فقط، وجعلوهما معاً في غرفةٍ واحدة.

ويذكر أن أهل إشبيلية لم ينسوا اعتماد الرميكية، فجعلوا لها تذكاراً في مدينة إشبيلية  كتب عليه: “اعتماد جارية وملكة، بجمالها وشِعرها وحب المعتمد لها صارت ملكة على إشبيلية”.

يشار إلى أن محمد بن عباد الملقب بـ” المعتمد على الله” هو آخر ملوك بني عباد على الأندلس، وقد كان ملكاً قبل سقـ.ـوط الأندلس وخروج المسلمين منها بحوالي 400 عام، وهو من أشهر ملوك الطوائف وأقواهم في زمانه.

تعليقات فيسبوك
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق